.
.
كل الأشياء تبدو متشابهة لولا ضريبة الاختلاف التي اكدها البشر !
كل الزوايا ثابتة في اماكنها لولا النظريات الرياضية و فلسفة الكتب اليونانية وثقل الأشياء !
كل الابتسامات كانت موجهة لي وانا لا استحقها في غانا, تلك الابتسامات التي تقول " مرحبا بك " بسعة صدر برغم اللون والصوت والصورة , العشوائية وابواق السيارات القديمة , وعود اليونسيف الكاثولوكية وشح منشئات الصرف الصحي !
ومن أجل ذلك تخليت عن ساعتي لامرأة متشبعة بأرض غانا الأولى بما يكفي , لا شأن لها بفنادق الخمس والسبع نجوم , لا شأن لها بالعاصمة اكرا , ولا تعيش في المدن التي خصخصت الدولة المياه لها دون اراضي المزارعين في الشمال من اجل فنادق الموفنبيك , والهوليدي ان , والحانات الانجليزية !
امرأة لا علاقة لها بمؤسسة "تحدي الالفية" Millennium Challenge Corporation * , ولم تتعدى قط حدود غانا لتعبر ساحل العاج وتنفق ببذخ على ملابسها وحاجياتها اليومية الشخصية , ربما اتت من قرى شمال غانا التي قتلتها الفيضانات , ربما لم تكن ايضا امرأة من غانا على الاطلاق , بل ربما كانت هاربة من دودة غينيا الطفيلية , لقد .. لقد كانت لا تتعامل في بضاعتها بالسيدي* !
قالت لي شكرا باشارة انيقة من يدها .. ابتسمت لي .. ثم مضت وهي تشتَم ساعتي !
اقصد من كانت ساعتي .
وقد اثارني منظرها الهادئ وهي تقوم بذلك بطمأنينة منها ارتسمت على محياها الذي بدا وكأنه يعالج مشاكل الحياة كصديق قديم برغم قسوة شروطها عليه , وغردت من فوقي الكثير من الطيور , طيور غانا ذو حنجرة اصيلة قادرة على محو الواقع والسفر بك نحو الخلود , قلت ببساطة انها امرأة "جناح" لها علاقة ما بهذا الطير حتماً .. هذا الذي يصدح صوته في اذني بكل هذه الشجاعة .
الطيور الطيور ..
تحتوي الارض جثمانها , في السقوط الأخير .
والطيور التي لا تطير .. طوت الريش واستسلمت .
هل تُرى عَِلمت ..
أن عمر الجناح قصير ؟! *
تأملتها حتى غابت عن البصر على طول الساحل الشديد الهدوء تمشي في ثقة نحو مكان لا اعرفه وتعرفه هي بالضرورة , كانت تبيع اكسسوارات مصنوعة من القش تتزين ببعض منها حول معصم يدها النحيل ذو الندبة البيضاء , كانت تحاول أن تخبر المشتري انها بضاعة قابلة للاستهلاك وتستحق المحاولة !
تأملتها حتى غابت تماما عن مرمى بصري وتوقفت نهايات ردائها عن الطيران في نهاية الممر , واختفى لون كل شيء منها وفيها .. و حركة الموج على نهايات الشاطئ تردد في اذني حقيقة وجود الرائحة في الاماكن والاشياء برغم المسافات !!
امسكت بمعصم زوجي , حللت ساعته " القابلة للاستهلاك " .. ضممتها في يدي .. وشممتها اسوة بالمرأة بائعة القش الاكسسواري المزين بالاحجار البلاستيكية الرخيصة .
اغمضت عيني , وهمست " محمد " فابتسم زوجي !
ولكني لم اكن انادي زوجي حينها , بل كان النداء لابني " محمد محمد " .
.
.
بائع عجوز يقف على قدميه وكأنه في العشرين من عمره , ذكرني بـ"عواد شالالي" بطل قصة "دنقلة" Dongola للروائي "ادريس علي" الرجل الذي يحلم بعودة ارض مفقودة , بعودتها تستيقظ كل الاحلام المستحيلة لترتدي ثوب الحياة وتطئ بقدميها معاناة النوبيين .
كان البائع يزين ذقنه الشعر الأبيض القصير , و يبتسم في وجوه الغرباء ويتراقص رأسه مع نغمات صادرة من آلة مسجلة يضعها على رف كشكه الخشبي , وكأن الحياة كانت قد عقدت معه صلح للسعادة الأبدية , كان يسكن اسفل البناية التي اسكن بها انا و زوجي ويفترش بضائعه المتواضعة على ناصية خشبية مغطاة بالألوان , قلت له اني احب الناس هكذا وهم مجردين من الالوان .. وشرحت له فكرتي بالاشارات والرموز والقليل من الكلمات بكل لغة اعرفها , الألوان لا تُظهر الحقيقة .. الألوان بعيدة جدا عن الحقيقة .
واعتقد انه فهمني لانه اشار إلى بقية ثوب افريقي لامرأة زاخم بالالوان معلق من عنقة على بروز خشبي في زاوية قريبة .. وامسكت يده الأخرى بطرف كم ثوبي الملون واطلق بمحياه المبتسم في نشوة كلمة في وجهي لا افهمها !
توق













