.
.
.
.
وكنت , ولا أزال في طور خلخلة الحياة , والتي لا تفتأ " تودي فيّا يمين وشمال" كونها تحب ممارسة " الصح" ودورة الطبيعة التي يؤيدونها في كتب الأحياء وطقوس الجغرافيا و مصطلحات النفاق , والتي كانت قادرة على زعزعة ثقتي بكل الموجودين , ابتداء برحيل عصافير الصباح , رحيل صديقتي , رحيل قطتي , سفر مدنيتي .. وانتهاء بكذب الرجال !!
بيد أن قصة كذب الرجال هنا كانت ولا تزال تمارس فيه خلخلة الحياة هيمنتها , فكان كذب الرجال كمثلي : "تودي فيه الحياة يمين شمال " و كانت تفتأ أحيانا و " تطفش" , وبعض وقت/حسنة .. لا تفتأ و لا "تطفش" !
و بدأت قصتي معها وأنا اقول لوالدي ذات يوم احذره , لا تكذب عليّ يا والدي !!
لأنك مني , وسترحل يوما ما كما يرحل بقية الأحياء , فلن أكون سوية إن مارست أنت الغياب ومارستُ أنا الفقد و بكاء النساء !!
فقال لي مؤكدا أنه لن يرحل .. وكذب علي ّحتى لا أبكي !!
ومن ثم رحل مخلفا وراءه دموع النساء , و قصة " الكذب في زمن الرجال " !!
و كان في حضوره لا يتردد عن إسدال الكذب فوق مسمعي , ابتداء بقصص الخيال الاجتماعية وكيف أن الحياة حلوة , مجرد ثلاث وجبات في اليوم و برنامج كرتوني للاطفال وبرنامج مطبخك للأمهات , وقهقهات الرجال عن يومهم المضني و خفة ظل و فكاهة و جلسة على اريكة خشبية قمة في الاطمئنان والثقة من غد ِ , وأن جارنا الحرامي طيب وابن حلال ولا يمارس الاختلاس ولا يعرف الرشوة ولا الزور ولا الابتزاز لذلك الله " منعم " عليه اكثر من بقية الرجال , وان الصباح كل يوم يتنفس الحقيقة ولا " يتعب " !!
وأن الحقيقة كما هي , مولودة على الفطرة , ترتجف من برودة الحياء !!
ثم مرورا بروايات التأديب وأن المرأة التي لم تستمع لنصائح عائلتها ماتت وحيدة فلم يزرها الخوف ولا البرد ولا الجوع و لا الضياع فكان الموت هو أكثر الاصدقاء حميمية , وأن الشاب الذي تخرّج من الجامعة عاش سعيدا وصارت صورته في مقدمة كل صفحات الجرائد المحلية , و دور النشر الأخرى تتحدث عن نهاية الشاطر حسن في الوطن وكيف أن الدولة أعطته " بئر بترول " لينفق منه على إكمال تعليمه و زوجة المستقبل و نفقة سارية المفعول على نتائج ذاك الزواج , و أن وزارة التعليم " طيبة " لانها تُصدّر طلابنا للخارج لينشرون الفضيلة والخير كل فترة صيف وإجازة وأربعاء وخميس بالمجان !!
.. وانتهاء بهدية عيد الميلاد !
قصة عيد الميلاد هذه كانت تتكرر في أوقات زيارته لي , يقسم أنه جاء من اجلي , ثم يتسلل لرؤية والدتي خلف الكواليس أمامي !!
وكنت لا أفتأ أقول له قبل مغادرته , حذاري ها أنت تكذب عليّ يا أبي مرة أخرى !!
لا تكذب يا والدي ,.. فغدا سيكذبون كل الرجال عليّ , وسأصدقهم لأنهم رجال يمثلون نصفي , يحملون بطاقات هوية , ويمارسون المشي في الشارع , ويحملون أنبوبة الغاز على اكتافهم باتجاه منازلهم , و يتعرقون ببذخ دليلا على هذا الوجود !!
سأصدقهم كما أصدقك الآن لأنك رجل يمارس الأبوة عليّ والقوامة , فلا تكذب يا والدي , ولا تقتل صورة الرجل في صدري !!
ومرت السنون و كبرت ابنتك يا والدي … !
وكنت اتذكر رجائي لك في كل مرة , وأنا أقول لا تكذب عليّ يا والدي , فتكذب علي ّ و يكذبون .. وأتمنى حينها نزع صورتي الانثوية مني وممارسة صورة الرجال فيّ , وأتخيلني أحمل الشوارب فوق شفتي دون نزعها , و يصرخون عليّ رجال العائلة بين حين وأخرى , فأخبرهم انني مصابة بالعته , وانني في طور مراهقة " طيبة" , أكذب .. فيغتالون البسمة مني ويصفقون للكذب و للرجال !!
فأغار من جديد منك ومنهم وأحمل كرها لا بأس به للرجال !!
ويوم غضبت فيه عليّ الحياة , مارست خلسة التدخين يوما كنت ابلغ فيه السادسة عشرة من عمري الربيعي , واتبعت خطى الهيبز في السبعينات برغم اني متأخرة عنهم عشر سنوات , فغيرت تاريخ التقويم وعبثت بارقام الاوراق .. وقلت اني اعيش الآن في السبعينات رغم أنف التقويم و دورة الليل والنهار و موت ألفيس بريسلي !!
وطار الخبر محلقا نحو والدي فقدم إليّ ليعاقبني , خفضت له الجناح وبكيت وقلت له مؤنبة بضعف النساء / .. اخبرتك ألا تكذب عليّ يا والدي !!
فقال وهو يمارس التدخين أمامي , / .. الدخان عيب و حرام !!
فضحكت ولم أبكي .. وغادرني وخلف من وراءه قصة " الكذب في زمن الرجال " !!
وفي كل مرة أمارس العمر فيها , كان الرجل في حياتي يمارس كذبه عليّ فيها , السائق , بائع البقالة , حارس بوابة المدرسة الاعدادية , طبيب العائلة , مدير المنتدى , دكتور الجامعة !!
السائق يقسم انه يحكي قصته لي لأنني قادرة على أن أرفع من قيمة راتبه , و لكنني أحسب انه يفعل ذلك لأنني لا اشبه والدتي في القسوة و أنني انثى " طيبة " .. فأقول لنفسي باسمة , , إنه يمدحني بطريقة غير مباشرة !!
بائع البقال