,, و كلكم مسئول عن جريمته !

نوفمبر 4th, 2009 كتبها رندا اسماعيل نشر في , قصة و قضيّة / أدب - واقعي - اجتماعي , مقالات عامة / أدب - اجتماعي - ثقافة

.

.

لماذا يقتل الزوج زوجته ؟! ولماذا يسلب الأب حياة ابنته ؟! لماذا قُتلت غصون ؟! لماذا قُتلت أريج ؟! لماذا قُتلت كلثوم ؟! و من الملاحظ أن كل ذلك يحدث بالتتابع .. و الآن لماذا قُتلت زوجة بواب المدرسة ؟! ولماذا أصدرت المحكمة في نجران حكماً على القاتل تأرجح بين خمسة سنوات , لخمسة عشر سنة ؟!
اسئلة كثيرة ألقت بنفسها و تبناها الرأي العام بغضب , وتلقت في المقابل تحليلات مختلفة من افراد المجتمع الداخلي , سواء تم تخزينها في الخبرات المتعلقة بها عن طريق التفاعل الاجتماعي مع الاحداث الداخلية و تأثير الاعلام باختلاف مصادره , او حدثت بعد وجود تعديلات متواصلة يراها ويتكيف معها الجانب الذكوري في المجتمع نفسه حسب المصلحة العامة سواء كانت لها اساس ديني أو ثقافي او حضاري .
وبالرغم من وجود ضوابط للسلوك الانساني وهي ضوابط ارادية فطرية وضعها الله سبحانه وتعالى في الانسان , حدثت هذه الجرائم , و لذلك من الطبيعي أن يلوح للجميع هنا قانون القصاص دون شرط التنازل .
أنا لا أتكلم عن سرقة فكرية أدبيّة !
ولا يتكلم الرأي العام عن جريمة أخلاقيّة من الدرجة الثالثة !!
و لا يشير الآخرون بالذكر عن جريمة لجانح مراهق صُنفت جريمته من الدرجة المتوسطة !!
نحن نتكلم عن جرائم  حدثت بوجود اشخاص سويين بالغين , كانوا افرادا ضمن نظام اجتماعي على درجة عالية من الأهمية " الأسرة" , جرائم كان لها نتائجها المحزنة على المستوى العام و الشخصي , و كان طرفها الرجل والمرأة .. اللبنة الأولى لفكرة بناء المجتمع , وكانت الضحية فيه المرأة باختلاف الفئة العمرية لها .
و هدفي من رفض فكرة التنازل هنا , هو حماية اسباب الأمن الاجتماعي والذي يصب بالضرورة في مصلحة المرأة كطرف مكمل للمجتمع الداخلي العام .
الجدير بالذكر أن تلك الضوابط التي حُددِت للسلوك الانساني ظهرت ونمت مع نمو الانسان السوّي , و أجد في هذا المقابل أن معظم اصحاب هذه الجرائم مروا بحياة سوية بغض النظر عن تفاوت القيم التي كانوا يؤمنون بها , سواء كانت نظرية أو اقتصادية , جمالية , اجتماعية , سياسية , دينية .
واحترام النظام الاجتماعي أمر اساسي في تكوين الشخص السوّي , وهو الأمر الذي تفادى اعتناقه أصحاب هذه الجرائم , فلا يحق لنظام القضاء السعودي التغاضي عن مواجهة هذه الجرائم بالردع الكافي تحت مسمى " التنازل" , لأن ذلك يؤثر بسلبية على النظام الاجتماعي العام المتمثل في مجتمع يؤمن بشدة بقانون الولاية / الوصاية على المرأة .
التدعيم السلبي في قضايا كهذه لا تكفي فيه خمس سنوات , ولا خمسة عشر سنة , لا يكفي السجن , لا يكفي التجويع , بل لا تكفي غوانتانامو !
كل رجل غدا في ثور

المزيد


قضية مشاعر / .. نساء في دوامّة العاطفة .

مارس 24th, 2009 كتبها رندا اسماعيل نشر في , قصة و قضيّة / أدب - واقعي - اجتماعي

.
.

" عاطفة واحدة من امرأة واحدة , قد تهدم حصون مدينة آمنة "

*
*

" الآن نحن في عصر اختلطت فيه المواثيق , تصل إلينا الكثير من مشاكل الاغتصاب , الإستيلاء على ميراث الايتام , المعاملة السيئة للاطفال , جرائم القتل .. الخ .. العهر الفسوق .. الكثير من مشاكل الاختلال الخلقي الاجتماعي التي ظهرت بوادره استقرت وتكاثرت بوجود الانفتاح , مشكلتنا نحن كمسؤولين عن هذه القضايا اننا نغض البصر عن باقي الاساسيات التي وضعها الله سبحانه وتعالى على ابناء ابن آدم , ثم نتشكى من هذا الوضع ونحاربه و نستغرب وجوده دون الرجوع لاسبابه في الكتاب و السنة قبل العلم الحديث , أقول أنه علينا أن نكون أكثر انصافاً !! "

الكاتبة .

*
*

مشاعر هو اسمي .

ولدت في عام 1983 ميلادي , اسرتي متحررة , و تعيش عائلتي في دولة اوربية لأن الحكومة السعودية " لا تحبنا " !

وأنا هنا وبعيدا عن السياسة , وقبل ان أكتب حرف واحد على هذه الرسالة , كنت اضع يد تحت خدي , وأفكر في مقدمة تليق بالكلام البغيض الذي سأسترسل فيه هنا قبل أن " آخد طريقي " وأمضي .
لن تكون هذه الرسالة جمعية لتلقي بكائيات نسوة كن أو هن حاليا من النوع الذي سأتحدث عنه , و لن يكون مكانا وذكرى أستسقي منه ذكريات لأبتسم كما العاشقات كلما مررت به , و لن يرحب بالرجال الذين ينسون نسائهم ويعاقبون " نساء" آخرين لا يمتون لهم بأية صلة سوى لأنهن يتحدثن عن واقعة ويمضين في ذكر حقيقة !

أنا امرأة ملوثّة !
عاقرت الخمر , و تناولت الهروين منذ مراهقتي , وأحببت رجل لا يمت للرجولة بصلة ست سنوات كاملة دون أن يعاقبني الرب على ذلك " البطر " الذي أحدثته على هذه الأرض , قبل أن أكتشف أنه " مجرد حيوان " رمى به سوء الحظ أمامي لأتلقفه وأبكي كما الحمقاوات .
لم أفقد عذريتي إن كنتم تعتقدون أن هذا هو ماحصل !
بل فقدت اكبر من ذلك .. كرامتي التي لا تعد ولا تحصى على نفسي .
كيف يصيب الجدب مكانها وتبقى اللعنات ؟!
لابد انكم لا تفهمون !
من منكم يضع للنساء أهمية " مشاعر " و " ضمير " و "عقل " .

بعد كل هذا .. اعلنت توبتي وانا لا ازال في الثالثة والعشرين من عمري !

و ألقوا بي عائلتي إلى مركز تأهيل لمعالجة مدمني العقاقير , وكدت اجن , فبرغم تحرر عائلتي كما يدعي بقية " الغير متحررين " , لم يكلف احدهم نفسه مسؤولية زيارتي .
ليس إلا لأني كنت مصابة " بمرض نقص المناعة " " الايدز " .

اتركوا عنكم قصص مراهقي المنتديات و صحف العامة و روايات المجلات التافهة , وكيف أن الحب هو ماجعلني هكذا , و أن والدي كان لا يعرف أن يقول لي " لا " , و أن والدتي لا تنام إلا ومساحيق المكياج فئة " الماركات ومعارض باريس الباذخة " على وجهها واناملها الكبيرة في السن و التي تتعرض للـ"نحت" ألف مرة في شهر واحد فقط لمجرد أنها خرجت عن طوع الأنامل .

الحقيقة هي أن جدتي لوالدتي " تمارس السحر " , و جدتي لوالدي " قاتلة " !

شقيق والدتي مدير ادارة شركة معروفة بجدة , و شقيق والدي مدير شركة معروفة بالدمام , وهما يعيشان الآن في السجن بسبب كارثة "البورصة" .

جدتي لوالدتي دفاعها الوحيد عن جريمتها هي أنها " تحب ابنائها "
جدتي لوالدي دفاعها الوحيد عن جريمتها هي أنها " تحب ابنائها "

جدتي لوالدتي تعيش في " مكة "
جدتي لوالدي تعيش في " طيبة "

عائلتي المتحررة تعيش في " كندا " , و تبكي على ندوب ابنتهم مشاعر .

و في كندا تهطل الأمطار على الآخرين ..
و في مكة و المدينة يعاني الشعب من القحط !

*
*

" نحتاج أن نفهم العالم ونفهم هذه الارض , والواجبات التي علينا , كما علمنا الله اياها في الكتاب والسنة وفي قصص الانبياء الذين مضوا وفي روايات الصحابة والتابعين , ثم نطبق كل هذا على العلم الحديث , نحن والأرض وهذه الشمس وتلك القوانين جزء لا يتجزأ من مفهوم الكون ! الكون صالح , فلماذا نحن بعيدون كل البعد عن هذا الصلاح ؟! لماذا نتألم ؟! هناك خلل ما حتماً لا نُحسن التقاطه ! "

الكاتبة .

.
.

مشاعر هو اسمي .

ولدت في عام 1978 ميلادي , ابي يعمل في جامعة داخلية في جدة , و والدتي تنهي دراستها لتحصل على درجة الدكتوراة في الادارة والاقتصاد في نفس الجامعة .
والدتي تحب الحياة .
وعندما اريد أن اتحدث عن امرأة تحب الحياة , فعلّي أن أجيد ذلك .
لأنه بوجود امرأة تحب الحياة , فأنت بذلك تعلم حق العلم أن كل ماحولها يبدو سعيدا , ابنائها و زوجها , طموحها , نجاحها , الآخرين من حولها يغبطونها , اخوتها , اخواتها , جيران الحي , جيران العمل , الخادمة , حتى الوسادة التي تضع رأسها عليها ليلا كل يوم ليزور النوم عينيها !
تغبطها على تلك السعادة !

ابي كان سعيدا بالمثل ..
لأنه كان يعيش حياته افضل من أخوته ..
كان سعيدا جدا , ليشتري لوالدتي فيلا بسعر خيالي في ضواحي جدة الراقية .
كان سعيدا جدا , ليشتري لأخي البالغ من العمر خمسة عشر سنة سيارة جاغوار ويقول له " هدية الميلاد , ولن تقودها إلا في الثامنة عشر , وفي الثامنة عشر سيكون هناك موضة جديدة و لن تستقل إلا الجديد "
في اشارة منه لشراء سيارة أخرى بعد سنوات قليلة !

كان سعيدا جدا , كنا جميعا س

المزيد


“ساطور” برسم الخدمة .

أكتوبر 31st, 2009 كتبها رندا اسماعيل نشر في , قصة و قضيّة / أدب - واقعي - اجتماعي , مقالات ساخرة / اجتماعي - سياسي

.

"أصدرت المحكمة العامة في منطقة نجران الأسبوع الماضي حكما بالسجن خمس سنوات على حارس مدرسة بنات قتل زوجته بـ"الساطور" قبل نحو أربع سنوات. و أوضح مصدر رسمي لـ"الوطن" أول من أمس أن ناظر القضية في المحكمة العامة بمنطقة نجران أصدر عقوبة الحق العام بالسجن خمس سنوات لحارس مدرسة بنات أقدم على قتل زوجته مستخدما آلة حادة كبيرة وذلك بعد أن تنازل ذوو الزوجة عن حقهم الخاص."
جريدة الوطن السعودية , اكتوبر 2009

.

.

في عام 1426 اهدتني صديقة معجم "عربي"  للكلمات العربية , وكنت في كل مرة افتح فيها هذا المعجم احرص اشد الحرص على تقليب صفحاته الصغيرة بهدوء يليق بها حتى لا تهترء اطراف الصفحات بانامل يدِ متوحشة , يدِ  اعتقلتها للتعذيب صفحات المراجع الانجليزية في دراستي الاكاديمية والبحث عن حقيقة للمرأة تحت ولاية الأمر و أولياء الأمر والذي منه  .
ولا يعني هذا انني امرأة عربية تسعى للديموقراطية التي تخاف منها الحكومات العربية , لأنني يبدو أنني لا أزال اشد على رأي صديقي الصحفي البريطاني " كريستوفر دو بيلاجو " في كل مخاوفه من نشوء الديموقراطية العربية , وكسر مقص رقيب الحكومات ومايليها .
وفي كل مرة كنت اتعلم فيها من هذا المعجم كلمة من اصل عربي , اشعر باني حصدت على معدل ممتاز يستحق اطار وصورة فوق سطح مكتبي الشخصي , ليشهد التاريخ أني برغم كل ذلك الترحال لم يتم استغلالي من الثقافة الاوربية الفجّة على صورة مسيئة لاقدر الله سواء لتاريخي كمواطنة سعودية أو لتاريخ العائلة كاسرة عربية , فأنا رغم التيارات المعاديّة أظل المسلمة .. المرأة العون لعائلتها .. ولدينها .. لحجابها .. وللمجتمع .. وفوق كل ذلك أظل المرأة العون لزوجها حتى وإن قرر لا قدّر الله أن ينهي حياتي القصيرة بساطور متوسط سعره لا يتجاوز العشرة ريالات !
نعود للمعجم إياه .. و الآن و بين لحظة وضحاها , أحببت حباً كبيراً كلمة " سطّر" من بقية الكلمات الأخرى , ووجدت أنني قد "رسينا على بر" أخيراً , ومن ثم وجدت نفسي أنني قد عقدت اتفاقا مع الآتي بأن اقدم كل مااستطيعه في خدمة هذا " السطر " و حاشيته .
وشعرت أنها الكلمة الوحيدة التي من الممكن ان استغني بها عن كل تلك الكلمات الأخرى في هذا المعجم الذي أملكه حالياً , إذ أنها في البداية تتحدث عن الكتاب , و في النهاية استطاعت أن تغلق الدائرة المعرفيّة الثقافيّة في رأسي باحكام شديد .
 أنت حينما تتعلم لغة ما من منبعها الأصلي كللغة الانجليزية او الالمانية مثلا .. تردد الكلمة التي تلتصق في رأسك لاسباب مسبّقة لديك ,كانت تحفظية أو معلنة سواء لاحظتها ام لا , و في العادة اعزو ذلك إلى علاقة سرية تحدث بين الشخص واللغة و السياسة والثقافة , و على العموم كنت قد تناولت هذا الاعجاب مع الكلمة إياها بشفافية بحتة , مثل ماتناولته مع اللغة الإنجليزية والألمانية , فكان حظ كلمة " or "  هو الأكثر غبطة بين بقية حظوظ الكلمات والتعابير الأخرى في اللغة الانجليزية  , والسبب اني تعودت أن تكون هذه هي الكلمة الوحيدة الفاصلة بين الحرب والسلام , " سلم نفسك أو ؟! النفط مقابل الغداء أو ؟! تحدث وأنت "مضبوط" على قناتك الاخبارية أو ؟! امشي جنب الحيط أو ؟!! اعلن أنك ديموقراطي أو ؟! احلف انك لست ارهابي او ؟! ثم بعد ذلك انتقلت هذه الأو الى المجتمع في الصورة التالية ..
تناولي طعامك وانتِ ساكتة أو ؟!! تزوجي ابن عمك أو  ؟! اذهبي إلى المطبخ أو ؟! , وهكذا حتى أحببت كلمة Or  والتصقت برأسي عفوياً .
إنOr  كانت صاحبة تاريخ جذري في حياة نساء المجتمع السعودي بلا شك  .
أما مع اللغة الالمانية كان لدور كلمة " انشولدقنزي " Entshuldigen Sie " رحلة مهمة في حياتي , كون هتلر خاطب الاشتراكية القومية قبل اسقاط قنابل

المزيد


المرأة السعودية و قضية التجنيس (2)

أغسطس 24th, 2008 كتبها رندا اسماعيل نشر في , قصة و قضيّة / أدب - واقعي - اجتماعي

( إن القوانين و الممارسات القائمة على التمييز في دول مجلس التعاون الخليجي تفاقم من العنف ضد المرأة وتضاعفه. وتؤثر بعض أشكال التمييز على المرأة بشكل غير متناسب وبالتالي يمكن أن تصل إلى حد العنف القائم على النوع الاجتماعي. )

منظمة العفو الدولية .
***
.

.

.

مكة المكرمة بدايات عام 1969 م
( يتبع .. بصوت زوجة القمّاش )
.
.
أول ليلة .. بتها مع شقيقتي كانت في غرفة أخوتي .. كانت المرة الأولى والأخيرة قبل ان يكون مخدعنا هو سطح المنزل !
وعندما استيقظت أولى ساعات الفجر شعرت بأن روحي ليست هي .. إذ أن المكان قد بدا لي غريب عليّ .. فطفقت ابكي .
وازداد بكائي ..

هنا هرول والدي إلى حيث كنا وتبعته زوجته فسألني عن ما ألم بي فرددت عليه أني ( أريد أمي أريد أمي ! ) , حينها قالت زوجة أبي بخبث تمنيت لحظتها أن اخنقه بيدي :

_ هذي الحركات نعرفها زين !
_ وش تقصدين !؟
_ والله لو قعدت تسكت فيها للسنة الجاية مستحيل تسكت , هذي يعني أبوي تذكّر أمي , أقولك هذي حركات حريم وأنا اعرفها زين .. تبيها تسكت !؟
_ ……. !
_ نزلها الحوش .. وعطها عشر جلدات ..
_ أجل كذا ها !؟

وخطفني من يدي كما خطفت يدي أمي أول مرة إليه حيث سوق الأقمشة .. وقبل أن يظهر ضوء الشمس .. وبعصا خشبية مشوّكة علا صوتي عباب السماء ! لم يعد بكاء فقط بل كان صراخا وعويلا مما جعل ( الجلدات ) تزداد قسوة على جسدي كل مرة ..

( عشر جلدات بالتمام والكمال يا أبوي !!؟؟ )

بعدها حاولت كتم فمي بيدي .. فيما أختي ترتجف كورقة .. وأبناؤه الثلاثة ينظرون لنا بصمت ثم إذا به يصرخ في زوجته بعنفوان , وكأن ما فعله بي قد زاده نشاط على نشاط :
_ هاتي القاز وبقشة الكتب !

فغادرت مسرعة ( زوجة أبي ) وعادت محمّلة بكومة الكتب خاصتنا وعبوة مليئة بسائل بترولي ,
أخذها منها وسكب السائل كله على ( بقشة ) الكتب , وأشعل النار :
_ عندنا ما في شيء اسمه دراسة .. ما في شيء اسمه قلة حيا .. من اليوم و رايح أنتي مسئولة عن الحوش .. وأختك الكبيرة مسئولة عن البيت كله !

وهكذا .. ست سنوات عشتها في بيته .. لا أعرف فيها سوى تنظيف حظيرة الأغنام وحديقة المنزل , وكنس ( الحوش ) من أوله إلى آخره … أما أختي فكانت آلة لغسل الأطباق وتنظيف المطبخ وغرف البيت كلها .

الساعة الثالثة فجرا من كل يوم .. تقوم زوجة أبي بإيقاظنا بنفسها بعدة ( رفسات ) في جوانبنا..
تغريد عصافير ذاك الفجر مازال يسكن رأسي حتى هذه اللحظة !
ولا يسمح لنا بعدها بوضع رؤوسنا في مخادعنا كل ليلة , إلا بعد أن نقوم بتنظيم مخادع أخوتنا وتنظيف البيت وترتيبه والتأكد من أن كل شيء سليم وفي مكانه , وإلا ستحدث كارثة مدمّرة لكلينا .
ساعتين فقط هي نصيبنا من النوم كل يوم !
نقوم فيه بلف الغطاء حول خاصرينا وندعوا عاجزتين بالفرج المعجّل .
من المؤسف أن أقول هنا أن شعورنا بالأمن ناحية أخوتي كان ضعيفا جدا !
فكان أكثر ما يؤرقنا هو الحفاظ على الشرف !
فلن تجدنا نغطي نفسينا كعادة النائمين .. بل نلف الغطاء لف على خاصرينا , وكأنه ( وزّار ) رجالي بالضبط !

أما والدتي فتم حرماننا منها, لم يسمح لنا بزيارتها كل جمعة كما قضت المحكمة لنا , بل اكتفوا بالسماح لنا بزيارتها في كل موسم حج .. إذ أن البيت كان يستقبل عدد كبير من الحجاج اللذين لا يتحدثون العربية .
كنا مجرد جاريتين .. خادمتين بالأصح !
حتى التلفاز تم منعنا منه !

في تلك الفترة من الحياة في المملكة العربية السعودية .. كان المقيم يعيش حياته كمواطن سعودي تماما له حرية ممارسة تجارته وامتلاك العقار .. باستثناء حصوله على الجنسية السعودية طبعا .. أما أبناؤه ( سواء كان بنت أو ولد ) فلهم نصيب إكمال تعليمهم كاملا انتهاء بالحصول على الشهادة الجامعية .. هذا بالنسبة إن كان من غير مواليد السعودية .. أما إن كان من مواليد السعودية فيحق له الحصول على الجنسية يوم بلوغه السن القانونية أي ( 18 ) سنة ! خصوصا إن كانت الأم سعودية !

ذات ليلة فيما كانت شقيقتي تكمل عملها آخر الليل كما هي العادة, أخذتها قدماها جانب غرفة مخدع أبي وزوجته .. كانت واعية بما يكفي لتفهم ماكانا يتحدثان عنه , وبرغم عنها استمعت لزوجة أبي وهي تبادر أبي الحديث :

_ إنت عارف أن ولدك الكبير ماله في الدراسة ! عمره كله في الشغل ومستحيل يحصل على جنسية سعودية لأنك عارف إنه مو من مواليد السعودية !
_ إي نعم !
_ والثاني يموت في الدراسة , كلها كم سنة ويخلص دراسة ويكمل جامعة .. وبعد مو من مواليد السعودية !
_ وخير !؟
_ يعني لو ينط ألف نطة ما راح يكون من حقه أنه يطالب بالجنسية السعودية , بس ولدك الصغير مشكلته محلولة !
_ للحين و مو فاهم شيء !
_ اصبر عليّ .. اللحين البنات أمهم سعودية أباً عن جد .. صح ولا لأ !؟
_ إي نعم !
_ وبكرة كل وحدة فيهم راح تبلغ السن القانونية .. وحسب نظام الأحوال الشخصية لازم يكون لها هوية .. يعني راح يكونون سعوديات غصبا عليّ وعليك وعلى اللي خلفونا .. ولو صارن سعوديات عُقب راح يطالبونا أنا وعيالك بالورث و بيتقوون علينا هم وأمهم , لو بعيد الشر صار لك شيء بكرة !
_ والمطلوب !؟
_ اسمعني زين .. جارك العقيد ( .. ) اللي يشتغل في الأحوال هو يحبك وأنت تحبه .. وأكيد بمعرفته يقدر يلغي شهادات الميلاد حق البنات !
_ تبيني ألغي شهادات الميلاد !؟ .. مصيبة والله !
_ لا مصيبة ولا شيء .. المدرسة وممنوعات منها .. والعالم ما يدري عنهن .. والجيران يحترمونا فوق العادة .. وإنت كلمتك مسموعة .. وأخوك معروف طول عمره يمشي مع ناس آكابر .! و قبل ما يطالبونا بإثبات هوية للثنتين .. تكون أنت مجهز حالك ومزوج البنات من صبيانك الأجانب .. وبكذا تكون كل وحدة تحت كفالة زوجها ويضيع نصيبها في الجنسية السعودية بموجب القانون .. لا شهادة ميلاد موجودة .. ولا سن قانونية ولا خرابيط , ولا من شاف ولا من دري !
_ ……………………………. !! ( مداخلة من رندا المكّاوية _ الله يخرب بيتك على كيد ! )
_ شيء ثاني .. أبيك تستفيد من شهادة ميلاد الكبيرة .. وتطلب من جارك العقيد ( .. ) بمعرفته إنه يثبت إن شهادة ميلاد ولدك مفقودة , وإنه حضر ولادته في السعودية وتعطيهم رقم شهادة ميلاد بنتك الملغية .. كلها كم حرف وتقدر تتصرف !
_ هذا يبيله فلوس !
_ ما عليه .. كم ( .. ) عندك ! واحد بس ! وهو راح يكون سند لي ولك و لأخوانه .. أخوه الصغير حتى لو حصل على الجنسية وأكيد راح يحصل عليها .. ما منه فايدة .. خرّاط !
_ صار !

وهنا أخبرتني شقيقتي عن كل شيء دار بينهما .. فقررت أن أواجههما غدا ..
وليتني لم أفعل !

.
.
.

***

( من الأفضل ان تكون مرهوبا , لا محبوبا !! )

مكيافلي .
***
.

.

.

مكة المكرمة .. بدايات عام 1975 م
( يتبع .. بصوت زوجة القمّاش )
.
.
تلك الفترة كنا نسكن أحد تلك المنازل الضخمة القديمة .. تلك التي إذا فكرت في زرع مسمار في جدارها فسيرتد إليك حسير !
وكان ككل تلك المنازل يحوي قبو ضخم لا يدخله الهواء .. ( لا من حق ولا من باطل ) !
إذ أنه لا يحوي نوافذ خارجية سوى عدد محدود من الفتحات في أعلى حيطانه بطول عشرون سنتميتر وارتفاع عشرة سانتي أخرى .. !
صباح تلك الليلة .. بعد ان قامت زوجة أبي بإيقاظنا كما هي العادة عند الساعة الثالثة فجرا برفساتها المعهودة .

لم نستجب لها ..( على الأقل أنا )
فأمسكت بخصلات شعري وهزتني بعنف كالمجانين , فحاولتُ مصارعتها وصرخت فيها وكأن نشوة عفريت تساعدني فعلي ذلك :
_ مابي !!!! أبي أروح عند أمي نشتكي العسكري عليكووووم !

فسكنت ( زوجة أبي ) لبرهة وشملها الغموض ..

في الوقت الذي تكون فيه مشاهدا لفيلم من أفلام الرعب , ثم تٌمسك بالـ( ريموت كنترول ) وتوقف الشاشة .. فتبقى محدقا في الصورة المتوقفة بوجل !!
أتعرف هذا الشعور !؟

هذا ما شعرت به هنا تماما معها , بينما أختي تردد خلفي مؤيدة لي :
_ إي .. نبي نشتكي العسكري عليكم كلكم !

ووجدتها فرصة لأكمل حديثي :
_ تبون تزوجونا على كيفكم !! .. تبون تاخذون شهاداتنا !! والله لنشتكي العسكري عليكم ! نبي أمنا نبي أمنــااااا !!!

وكمن خُلق بلا روح غادرت مكمنها من أمامنا !
( أخ بس ! )
لو كنا نعلم معنى ( المُكّر ) حينها .. لما تسرعنا في ذكر ما ذكرناه لها ..
عند هذه اللحظة .. قررنا أن نكمل نومنا إذ أننا شعرنا بالنصر على الدنيا كلها ..
وضعنا رأسينا على مخدعينا ونحن نتبادل الضحكات القصيرة بفرح , كأن شيء لم يكن طوال كل تلك السنين ..

واستيقظت على صراخ شقيقتي ..

لا أدري كانت كم الساعة حينها , كل ما اعلمه أن الشمس باتت في كبد السماء , وعيار ضخم جدا من ( البطيخ ) متناثر من حولي بجنون

حاولت أن أستجمع قواي لأفكر لأفهم ما يحدث لرأسي تلك اللحظات .. لم استطع ..
فلم أجد سوى أن أصرخ بدوري !
أعلم أن هناك شيء ما حدث لأختي لكنني لا أفهمه .. فيما أبي يقف على رؤوسنا كالإعصار تماما ..
بعد ذلك .. فهمت أن أبي قد عاد لتوه من الخارج .. يحمل في يده حبة بطيخ كبيرة أختارها خصيصا ليفرح بها زوجته , لكنه عدّل عن رأيه فيما بعد ليلقي بها فوق بطن أختي بكل ما يملك من قوة .

_ تتجسسين على أسيادك يا بنت ( … ) !

فيما أنا ابحث بنظراتي الزائغة عن زوجة أبي .. لكن السطح كان خاليا إلا منا ومنه ..
وبعدها أمسك بتلابيب قميصي وقميص أختي وقام بسحبنا سحب فيما صراخنا مزق أذنينا !

أذنينا .. أنا .. وشقيقتي !

قام بسحبنا بعنف جبار من سطح المنزل إلى باب القبو , فسبحان من أعطاه كل تلك القوة !
مئات من السلالم تكسرت عليها عظامنا التي باتت يومها تئن في صمت .

وعند باب القبو ..
أخرج مجموعة مفاتيح من جيبه .. وحل سلاسل الباب التي كانت تحكم إغلاقه .. ثم عاود وأمسك بنا ودفع بنا دفعا نحو الداخل وسمعت الباب يرتطم من خلفنا كالزلزال .
ومن خلف الباب سمعت صوت السلاسل الحديدية , تلحن لنا لحن رعب فيما الظلام يشملنا في الداخل !

وبكينا .. حتى غشانا النوم .

كانت سياسة القبو سياسة لا كأي سياسة عاصرتها في الدنيا .
بتنا نتناول فيه وجبة واحدة تلقيها لنا زوجة أخي الكبير وتفر هاربة , كمن يفر من العدوى !
ملابسنا تم إرسالها لنا وكنا نقتصد في غسلها .. إذ أن زوجة أبي تعطينا حفنة من المنظف ( الصابون ) في قصعة معدنية صغيرة ( علبة صلصلة طماطم ) بحجم نصف الكف كل أسبوع .. وكانت الكمية غير كافية لغسل ملابس ( الدورة الشهرية ) بحالها , فما بالنا بملابسنا الأخرى !

على العموم كانت أغلبها مرقّعة بسخاء فلم نحزن , إذ أن غسلها كفيلا بتمزيقها وهذا مالا نتمناه بأي حال من الأحوال .
أما دورة المياه فنحمم فيها أجسادنا بالماء فقط !
وفوق هذا كله .. كان أبي يشرفنا بزيارة خفيفة ظل ليقوم بضربنا بغصن شجرة من الحديقة , ممتلئة بالشوك في جوانبها , كي يحسن التأديب !

بدا القبو لكلينا كمعتقل جنود , بقينا فيه لشهر كامل وعدة أيام نتنفس الجوع والأتربة والرائحة العطنة .

وفي ليلة ما من ليالي القبو الكئيبة .. ارتفعت درجة حرارة أختي بشكل مخيف , فأكل قلبي القلق !
وبدا سطح جلدها يتغير رويدا رويدا ..
إذ ظهرت على سطحه بثور حمراء كبيرة .. وانتشرت على وجهها فغير ملامحها .. وصارت تتألم
شعرت بالعجز .. والخوف .. والقهر !
تألمت يداي من الضرب على باب القبو .. وخلعت ( ظفرين ) من أظافر قدمي اليسرى , إذ أنني حاولت أكثر من مرة أن امسك بالباب قبل أن تقفله مرة أخرى زوجة أخي فيما أنا أصرخ كالضائعات :

_ أختي بتموت .. أختي بتموت !!

لكن ما من مجيب … وكان العالم أنطفأ ! إلا مني ومن شقيقتي .. والقبو !

ونتيجة لعدم وجود الهواء والنظافة والدواء .. أصيبت أختي بالعمى أو هذا ما تخيلته لا ادري !!
باتت لا تفتح عينيها كثيرا .. ولا تأكل كثيرا .. ولا تتكلم .. فقط كان يؤنسني أنينها لأبكي !
وهنا صرت أدعو لها فيما دموعي تغسل وجهها , بينما يدي التي مزقت أطرافها مكنسة الخسف الأرضية التي أكنس بها عشرين متر كل صباح .. ممسكة بيدها وكأن الشفاء في باطن يدي .

وبعد أن انتهت المهلة التأديبية في القبو أُفرج عنا , فقاموا بنقلها للمركز الصحي ..
وتوفيت هناك !

إذ أن الوقت قد فات .. و

( وكل شيء مقدر ومكتوب .. وهذا عمرها .. ونصيبها .. ويا الله ارتاحت وريحت ! )

في الحقيقة لم أبكي , كان الصمت يلجمني لجما .. لم أتكلم بعدها وصرت كتوم .. كتوم أكثر من المعتاد .
حتى الأغنام التي كنت أسري بحديثي إليها باتت حزينة .. وكأنها تشاركني لوعتي !

وفي يوم قريب .. كنت أقوم بتنظيف غرفة الجلوس التي يجلس بها أخوتي عادة أمام التلفاز , فلمحت عيني مشهد يرفعون فيه جثة الملك فيصل يرحمه الله على الأكتاف فيما أحدهم يتحدث ويبكي ويجهش بالبكاء ..

هنا طفت الأشجان على روحي كالسراب ..

فبكيت
كأن لم أبكي من قبل بكيت والله ..
بكيت وعلا نحيبي .. فيما أخوت

المزيد


المرأة السعودية وقضية التجنيس

أغسطس 22nd, 2008 كتبها رندا اسماعيل نشر في , قصة و قضيّة / أدب - واقعي - اجتماعي

أحداث هذه القصة حقيقية باستثناء اسلوبي في السرد .

***
( العالم الذي نعيش فيه عالم يعيش في وعينا , في رؤوسنا , ومن السخف نكران وجود العالم الخارجي )

أيان كريب .
***
.
.
.
مكة المكرمة .. 1962 م
( بصوت زوجة القمّاش )
.
.
لم افتح عيناي على الدنيا لاستمع لصراخي الحبيب كما هي عادة المواليد .. بل فتحتهما على صراخ والدتي ونحيبها المغلوب على أمره ..
المشكلة أن الأمطار كانت تملأ ساحة بيتنا الشعبي حينها بشكل مرعب لا يصدق !

إذا لاحت لك عن بعد ستقول أنها ساحة جميلة خلابة تتلألأ كشوارع لندن حينما تغزوها أمطار الشتاء من عصرك الحالي هذا .. إلا انك لو كنت تعيش معنا تلك اللحظة فستفضل الوقوف على أن تجلس على كرسي يسندك عليها .

وجدتني مع والدتي وحيدة .. بينما أختي الكبرى ذات السنتين تلعب بدم نفاس أمي بعفوية ساحقة ..
عرفت حينها أن أمي ولدتني بمساعدة صوت رعد السماء وافترشت تحتها ساحة ارض رطبة تشملها لتعطيها قوة كافية لتلدني ..
كلما تذكرت تلك المياه التي شملتني أنا و إياها وأختي الكبرى
لاح على خيالي صورة تعلمك كيف تُربي الانتقام في النفوس , شاهدتها في احد أفلام الفيديو الأجنبية الرخيصة بعد أن جاء عصر الفيديو ولم يخلو منه أي بيت وإن كان في أقاصي جبال مكة .
فعندما تريد إحداهن أن تنتقم لحالها فإنها تغسل وليدها تحت المطر بينما صراخها يصم أذني رضيعها بلا رحمة ..

كانت والدتي تصرخ من الحزن الجاثم على صدرها , فلم تشفع لها ذرات مطر الصباح العاصفة في زلزلت ما ألم بها .

تم غسلي بعد ولادتي فعلا تحت المطر بدون قصد من والدتي .
إلا أن والدتي قررت أن لا تنتقم .. إذ أنها لا تعرف حقيقة معنى هذا الانتقام الذي يتحدثون عنه !

***

1957م مكة المكرمة ..
( من أوراق والدة زوجة القمّاش )
.
.
كنت وحيدة أبي ..
أما أبي فكان من أكثر رجال مكة عبقرية في صناعة الحلوى وبيعها
كان ولا حسد ( تاجر شاطر ) يعرف كيف يجلب الزبون إليه وكيف يكسب محبته !

إن حياتنا كانت رغدة بما يكفي لنعيش كالبشر .

وبالإضافة لكونه رجل ذكي في عمل أصناف الحلوى المختلفة .. كان يلقب بـ( القبّار ) إذ أن أي امرأة يتزوجها من بعد والدتي تموت بعد سنة أو سنوات قليلة على الأكثر .
أبي رجل مزواجا ويحسن عمله بطبيعة الحال !

إلا انه لم يحظى من الدنيا بسواي كابنة تحمل اسم بائع الحلوى العبقري الذي ذاع صيته في كل شوارع مكة ..

في هذا العهد ..
لم يكن هناك فرق يُذكر بين من يحمل هوية سعودية أو يقيم كمواطن سعودي , سواء كان مهاجرا من دولة عربية أو دولة لا تتحدث العربية على الإطلاق !
ما يهم السلطات العليا ( الحكومة يعني ) هو أن تكون شخصا تؤمن بالله وعقيدتك الإسلام وممن يميلون لمنهج ابن حنبل .. ثم تُعامل كأنك مواطن من الدولة تتمتع بجميع مزايا المواطن الحقيقي !

دولتي رحيمة ولا شك .. كما أنكم تعلمون !

كنت من سلالة رجل عربي أصيل ( يحمل هوية سعودية ) جاء مهاجرا من جبال جيزان يبحث عن لقمة عيش رغدة في مكة !
ولأنه رجل وحيد بطبيعة الحال كعادة المغامر التاجر في كل مهجر ..
فقد كان عليه أن يزوجني بالمثل رجل عربي أصيل ” أيضا ” يثق به كثقته العمياء في الحلوى التي يصنعها بيديه !

تحققت أمنية أبي على الفور ..
وتقدم لي احدهم ممن يعملون لديه في دكانة الحلوى خاصته ..
كان رجل عربي أصيل فعلا .. إلا انه لم يكن يحمل هوية سعودية كوالدي ! إذ أن ذلك لم يكن مهما بأي حال من الأحوال .

كان العالم يبني نفسه من جديد في كل موطن عربي إثر نهاية الحروب واكتشاف كارثة البترول !
فعلى الدولة أن تبدأ بسياسة جديدة وعليها أن تنهي سياسة قضى عليها الدهر وعلى الشعب أن يحتضر .

_ ها يا بنية وش قلتي !؟
_ .. توكلت على الله أبوي !

وتزوجته .. ليس لأنه رجل عربي أصيل فقط !
بل لأن أبي قد تكومت الديون على جيبه , فقرر أن يبيعني إلى من سينقذه من ورطة كل تلك الديون ..
باعني إليه أبي الحبيب غير مأسوف عليّ !

.
.
.
***
فلا تخش التناقض في كلام *** عن الدنيا ورأي في الوجود
فإن الصدق مفترقـا لأولى *** من التلفيق في جمع الشهود
العقاد .
***
.
.
.
1958 م مكة المكرمة
( يتبع .. من أوراق والدة زوجة القمّاش )
.
.
كنت أجمل عروس في الحي !
لم أحظى بنفسي فرحة كعروس شهرا واحدا فقط كما هو معروف !
لم يكن شهر عسل واحد !
بل كانت سنة عسل بحالها !!
عشت فيما يقارب السنة عروسا حلوة لا تهرم أبدا , دللني كما لم تدلل عروس في سني من قبل ..
بالذهب والمال والملابس والغزل !.. وشعرت بأني ملكة لمكة كلها .
وبعد مرور هذه السنة ..

اعتلت صحة أبي ولم تعد قدماه تقوى على الوقوف كسابق عهده بها وصرت ملزمة بعنايته .
انهارت تجارته بطبيعة الحال فيما زوجي قرر البحث عن تجارة جديدة في أسواق مكة القريبة من الحرم الشريف .
ظل فيما يقارب عدة أشهر في عمله , كانت كفيلة بأن تجعله من “أشطر” تجار سوق الأقمشة المستوردة حين ذاك .
وفي اليوم الذي توفي فيه والدي ليترك لي بيته الشعبي وبعضا من قوارير الحلوى الصدئة , وبعض أغطية متسخة تحمل رائحته , أنجبت أنا طفلة جميلة أسميتها باسم والدة زوجي .
فسبحان من يأخذ ويعطي !

في ذلك الوقت كان بمقدور الزوجة السعودية أن تقوم بعمل نسخة من هويتها لزوجها المقيم الذي لا يملكها , على أن تكون واثقة من قرارها كل الثقة .
أحببت مفاجأته بذكر قراري ذاك , تماما كما كان يفاجئني بالهدايا في كل موسم .

إلا أن القدر أراد غير ذلك إذ أقبل عليّ ليخبرني ذات ليلة بوجه عبوس غير معتادة عليه :

_ يابنة الحلال أبي أسافر أخواني يطلبوني !
_ وأنا وبنتك !؟
_ الله لكم .. كلها شهر وبرجع !

طبعا لم يكن يومها نعرف شيء عن “جوال” أو “بيجر” أو “نت” لأطمئن عليه , كنت فقط أريد أن أطمئن عليه ! فقط أطمئن عليه !

يا الله !! .. ياللعاطفة النسائية التي شملتني !!

لم يكن الشهر بعدها سوى أطول سنة في حياتي عشتها وحيدة مع ابنتي .

أحيانا كنت أقوم بعمل أطباق من “الزبادي” لأقوم ببيعها على جيراني , لا يكلفني ذلك سوى قارورة من الحليب الطازج التي يجلبها لنا أحد فاعلي الخير كل صباح عند عتبة البيت .
وكنت أغذي ابنتي الأرز الأبيض المطبوخ وأقوم بعصر طماطم لها كغذاء جيد .
وكنت أحمد الله على ذلك وأدعو بالرحمة على زوجي إذ أنني حسبته في عداد الأموات حقيقة, فمن غير المعقول أن يغيب عني كل تلك الشهور الطوال .
فيما يستخدم نساء الحي بيتي مكانا جيدا لعمل ( معمول التمر ) قبل أن يتم خبزه في فرن يملكه الخبّاز اليماني أسفل الحي .
كان بيتي كبيرا بما يكفي ليشملهن و إيجار اليوم الذي استلمه منهن كافيا لأسعد به .

وبعد مرور سنة من الغياب عاد بابتسامة لا معنى لها , ابتسامة تقول أنني حمقاء بما يكفي ليكتبني الله من نصيبه .

بات ليلته معي باشتياق ” غير عادي ” كعادة الرجال !

ثم غادر أولى ساعات الفجر دون أن يحق لي بمساءلته عن ما تسبب فيه لي ولأبنته .
هو غادر من هنا .. وأنا ظللت أغني أغنية حالمة “لأم كلثوم” سمعتها من المذياع الخشبي وأنا أقوم بعمل “الزبادي” ذات ليلة هادئة ..

( تغيب عني وليلي يطول ..
وفكري في هواك مشغول ..
دليلي احتار .. ! )

وفي مساء نفس هذا اليوم فيما كنت أفكر في حقيقة مشاعري تجاهه كعاشقة قتلها الوله والحرمان , بعث لي ببرقية مع احد عماله ليخبرني فيها أنه رجل متزوج منذ الأزل ولديه عدد لا بأس من الأولاد , من قبل أن يعمل عند والدي في دكان الحلوى الغبي .
فقلت ” ما علينا ”
وأن والدي كان يعرف ذلك كله من قبل دون ان يخبرني
فعبس وجهي وهمست ” ما علينا “
وأن من حق زوجته الأولى أن تعيش معه هنا في مكة .
فرددت بأدب ” ما علينا “
و أنني طالق بالثلاثة !
هنا فكرت بهدوء في حقيقة كلمة ” ما علينا” !

كان عليّ أن أغادر البيت في أقل من ساعة إذ أن العامل ( الصبي ) خاصته ينتظرني للمرة الأخيرة حتى يحمل أمتعتي إلى حيث يجب أن تكون .
غادرت منزله إلى بيت والدي الشعبي القديم فيما دموعي احتبست في صدري لتغني ” لي ” كلمتين من أغنية “أم كلثوم ” الحالمة !

( دليلي احتار !
دليلي احتار !
دليلي احتار !! )

إذ لم أكن أعلم حينها أنني قد بتُ حاملة بابنتي الثانية .. ( زوجة القمّاش )

.
.
.

***
( يا زهرة في جدار متصدع
إني انتزعك من بين الشقوق
واقبض عليك ..
هنا في يدي بجذورك وكيانك كله ! )

تينسون / شاعر انجليزي من القرن التاسع عشر .

***
.
.
.
مكة المكرمة بديات عام 1961 م
( يتبع .. من أوراق والدة زوجة القمّاش )
.
.
وضع العامل كومة ملابسي التي لملمتها في قطعة قماش تخص أبي صانع الحلوى , جانب باب بيت والدي الشعبي قبل أن يسلمني ابنتي لأحملها في يدي .. ثم فر مغادرا كالطير .
إلا أن فراره ذاك لم يمنعني من أن ألمح في عينيه دمعة مختنقة لبرهة .. فابتسمت حينها لابنتي وكأنني ابتسم لي .

يا الله !! .. فشر البلية ما يضحك !!

سحبت كومة الملابس بيد فيما يدي الأخرى ظلت تحمل ابنتي إلى داخل بيت والدي .. وطفق رأس المطلقة حينها يفكر .

لكنه فكر في لا شيء !
هل جرب رأسك يوما أن يفكر في لا شيء !
كنت أفكر في لا شيء حتى أرسلت ابنتي نوبة من الصراخ الحر في حضني ليخترق طبلة أذني بعنف ويوقظني ..
تنبهت إلى أنني لم أشعل المصباح حتى !
كان الظلام يشمل البيت ويشملنا .. إلا دهاليز رأسي !
إذ أنني كنت أفكر .. في لا شيء !

رفعت ابنتي إليّ ونظرت في عينيها ثم بدأت أردد على مسامعها أنشودة حميمة لأخفي عنها ما ألم بي .. بدت لي حينها كأنها تعي ما حولها وضايقني ذلك , فغنيت لها :

( صالحة صالحة بأمها
جابت فرح وسعد لأمها
دوها يا دوها !
والكعبة بنوها ! )

بعدها أغمي عليّ ليهدأ وعيي ! ولولا صراخ ابنتي من الجوع لما علم بي سكان الحي الشعبي صباح اليوم الثاني .
كانت البيوت قريبة من بعضها البعض لدرجة تجعلك توقن أنها شُيدت كمنزل واحد !
علمت بعدها أنني حامل بطفل .. فاتكأ الحزن على كاهلي , وابتسمت .

تحدثت المطلقة حينها في شخصي إلي , فعلى ابنة صانع الحلوى العبقري أن تعمل .. !
وعلى ابنة صانع الحلوى العبقري أن تتناسى ماض غريب عليها !
وعلى ابنة صانع الحلوى العبقري .. أن تعيش !

فبدأت في تعلم الخياطة .. كنت أخيط الثوب العادي بـ( ريالين ) فقط لكل نساء الشارع الذي أسكن به . وكانت تلك الريالين كافية لأشارك البشر الحياة !
صحيح أنني كنت لا أتذوق اللحم كثيرا .. إلا أن البيض كان عوضا عنه بما يكفي كما أنني لم أكن لأشريه إلا عندما تمرض ابنتي أو يهتد قواي !

المزيد


من قتل زينب ؟!

مايو 29th, 2008 كتبها رندا اسماعيل نشر في , قصة و قضيّة / أدب - واقعي - اجتماعي

من قتل زينب ؟! *

.
.
.

من قام بتربية زينب ؟!
( أُمْ ) .

***
( فتّحي ياوردة .. هنا وردة تم تم تم .. هنا فلونكة تم تم تم )
إنشودة تتناولها الفتيات إلى الآن في الصفوف التعليمية الأولى .
.
.
من مذكرات صديقة زينب
2007 مـ / ..

كان هذا قبل ست شهور من الآن .. دلفت غرفتها وفي يدي ابني ذو الثلاثة اعوام .
كانت زيارتي لها مفاجئة , حيث كنت منقطعة عنها لـ خمس أو ست سنوات سابقة , لإنتقالي مع زوجي حيث عمله الجديد ..
رأيتها وحيدة مضيئة في ركن قصي من غرفتها , متكورة فوق سجادة صفراء وحول معصمها تلتف مسبحة صفراء ..
حتى ان نظراتها كانت صفراء لا تعي من الحياة شيئا !

عام 1975 مـ / ..

_ وش اسمك !؟
_ زينب !
_ أنا نورة !

وأبتسمنا !
ماذا كانت الدنيا حينها في نظرنا ؟
لم تكن سوى طيور بيضاء محلقة نحو الأفق .. ورسوم كرتون محفورة في جدران أسوار المدرسة
شخصيات كانت أكثر مايميزها مجموع إبتسامات قوية , تلك التي كانت تتجه صوب أعيننا والتي كانت توعدك برائحة الإنتصار في عبق كل صباح !
ماذا كانت الحياة لكلينا ؟!
كانت حديقة غنّاء تسبق الفردوس ليس إلا !

اخبروني .. وهل يقوى على رؤية الجحيم بهذه الصورة سوى الأطفال وحدهم !؟

وهل كان مقدرا لذوينا ممارسة العقاب علينا والذي يليق بمبادئ المجتمع ؟!
وماهي مبادئ المجتمع ؟!
ومن وقع على قائمتها ؟!
وكانت تعي من بالضرورة ؟!
ثم من قال أن الحياة ملكا لجميع ؟!!
لا .. لقد خُدعنا في الصورة !

كل طموح زينب كان متجسدا في أن تصبح يوما ما طبيبة , تساعد في إنقاذ أرواح الأطفال من ممارسة الموت ..
كانت تحتفظ في منزلها بصندوق خشبي كبير نوعا ما .. مليء بالأدوات الطبية .. ومحارم الصلاة !
تلك الفترة كنا نبلغ التاسعة من أعمارنا , وكان لكل منا طموح يزين حدود الأرض بإسراف ..
كان عليها هي ان تصبح طبيبة ..
بينما كان علي ان اكون .. أمـأَ !

_ وش فايدة شراشف* الصلاة !؟
_ الدكتورة لازم تلبس أبيض .. وشرشف الصلاة أبيض !
الدكتورة محجبة .. والشرشف للحجاب عشان مايصير تصلي الوحدة بدون شرشف صلاة !

كانت تشع ذكاءً ..
وكنت أرى فيها الانسانة التي تستحق الصداقة .. وشعور الغيرة على السواء !


***
( هنالك المعنى الثقافي للتنشئة الإجتماعية والذي هو بدون شك يمثل أبرز الجوانب التي يهتم بها
التراث الثقافي للمجتمعات الانسانية ! )
د / عبدالسلام وآخرون .
.
.
من مذكرات الأخت الصغرى لزينب
عام 2007 مـ / ..

ماذا كانت زينب ؟!
من غير المعقول ان اجيبكم على هذا السؤال دون ان اذكر كل شيء معها .. لأنه كفيل بذكرها رغما عنا
العرائس مازالت تتحدث بصوتها .. الاوراق التي كانت تخط عليها قصصا لتقصها علينا قبل النوم ..
الحلوى التي كانت تتفنن في صنعها ..
حفلات النجاح الصغيرة التي كانت تقوم بترتيبها لتبحث لنا عن ابتسامة انا واخوتي , ولتخبرنا ان في الأرض مايستحق الحياة من أجله !
كما ان حضنها الصغير كان قد قام بتربيتي انا واخوتي بعد ان اهملتنا امي ..
كانت زينب أما حقيقية .. دون أن تعترف بها الأوراق الرسمية !

عام 1994 مـ / ..

_ وش تبين أحكيك ؟!
_ اي قصة !
_ اممم .. تبين قصة رعب .. ولا قصة رومانسية .. ولا قصة أطفال .. ولا قصة اجتماعية !!
_ وش يعني اجتماعية !
_ يعني فيها ناس عاديين
_ لا ابي قصة رعب
_ ول عليك ! بعدين راح يطير النوم ومااستفدنا !!
_ لا وعد راح انام !

وتمر ساعات الليل ولا أنام .. ولا هي أيضا تنام !
ونظل إلى الصباح نقلب ألبوم الصور .. ونتأمل وجه والدتنا المبتسم , والذي كان يبدو لنا وكأنه يعاكس عدسة الكاميرا بانطباع قوي يدفعك لحب الحياة .

كانت والدتي جميلة جدا .. لكن زينب كانت أكثر جمالا مما يجب !

في تلك الأثناء علمت والدتي أن النضوج قد أقبل على زينب ! ..
لأن زينب اخبرتها بأنها من اليوم وصاعدا ستحدد أيام الصوم التي تفوتها .. وستفقد صلوات !
وكان كل مافعلته والدتي أمرا واحدا فقط لتتعامل مع هذا الحدث الجديد ..
عاقبتها بالسوط حتى أغمي عليها ..

ودعوت الله ذلك اليوم ألا أنضج أبدا كزينب !!


***
( من الواجب تقدير الدور الخطير الذي يقوم به الكبار في نمو مفهوم الذات نحو اطفالهم ,
لأن هذا لا يؤثر فقط في عملية التعلم , بل على الحياة بصفة عامة أيضا )
د / حامد زهران .
.
.
من مذكرات شقيق والدة زينب
عام 2007 / ..

كانت والدة زينب أصغرنا .. كانت البنت الصغرى يسبقها خمسة أخوة ذكور .. وقد كانت شديدة الحب لأنوثتها وزينتها أسوة بوالدتي .
والتي كانت والدتي على الرغم من وضوح التجاعيد في وجهها تجاهد في حفظ اناقتها بشكل عام ..
أما هدايا العيد التي كانت تُهدى إلى والدة زينب في صورة مالية , كانت تحتفظ بها لشراء مستلزمات زينة كل امرأة !
لكن والدة زينب لم تكن تعارض إذ كانت تشعر أن كل ماتملكه هو في الحقيقة ملكا لوالدتها .
وظلت والدتي برغم موت أبي سيدة المجتمع .. ومحبوبة الحي القديم .. وأم حاربت من أجل أن تبقي نفوذ عائلتنا قوي كما هو ..
وربما نجحت ..
لكن هذا النجاح كان ثمنه باذخ جدا !

عام 1963 مـ / ..

عصر ذاك اليوم كنا نلتف حول والدتنا … يحتسي الشاي بعضنا والبعض الآخر يتناول مشروبه الغازي من زجاجة .
بينما والدتي تتحدث عن امرأة اسدت إليها قريبا معروفا بعد أن علمت أن زوجها قد تخلى عنها ولا يُعرف له أي جهة محددة لتبحث فيها عنه !
فاوتها والدتي جيدا إلى أن تحسنت حالتها .. وحضر رجل آخر وتزوجت منه ثم غادرت بيتنا .
لكنها تحدثت !!
وكل ماتحدثت عنه هي امور كان لاينبغي أن تصل إلى سمعها او بصرها تخص والدتي ونحن ,
امور تخص العائلة بأكملها .
فضايق هذا والدتي .. وهو ما كنا نراه أنا واخوتي أمرا عادي لا يمت للغضب بصلة ..
ماجعل والدتي تتحدث بغضب عن ماسببته لها المرأة وكانت تتحدث إلينا دون أن ترانا جيدا :
_ يقولون دخّل الزانية بيتك .. لكن اللي تنقل ال

المزيد