( إن القوانين و الممارسات القائمة على التمييز في دول مجلس التعاون الخليجي تفاقم من العنف ضد المرأة وتضاعفه. وتؤثر بعض أشكال التمييز على المرأة بشكل غير متناسب وبالتالي يمكن أن تصل إلى حد العنف القائم على النوع الاجتماعي. )
منظمة العفو الدولية .
***
.
.
.
مكة المكرمة بدايات عام 1969 م
( يتبع .. بصوت زوجة القمّاش )
.
.
أول ليلة .. بتها مع شقيقتي كانت في غرفة أخوتي .. كانت المرة الأولى والأخيرة قبل ان يكون مخدعنا هو سطح المنزل !
وعندما استيقظت أولى ساعات الفجر شعرت بأن روحي ليست هي .. إذ أن المكان قد بدا لي غريب عليّ .. فطفقت ابكي .
وازداد بكائي ..
هنا هرول والدي إلى حيث كنا وتبعته زوجته فسألني عن ما ألم بي فرددت عليه أني ( أريد أمي أريد أمي ! ) , حينها قالت زوجة أبي بخبث تمنيت لحظتها أن اخنقه بيدي :
_ هذي الحركات نعرفها زين !
_ وش تقصدين !؟
_ والله لو قعدت تسكت فيها للسنة الجاية مستحيل تسكت , هذي يعني أبوي تذكّر أمي , أقولك هذي حركات حريم وأنا اعرفها زين .. تبيها تسكت !؟
_ ……. !
_ نزلها الحوش .. وعطها عشر جلدات ..
_ أجل كذا ها !؟
وخطفني من يدي كما خطفت يدي أمي أول مرة إليه حيث سوق الأقمشة .. وقبل أن يظهر ضوء الشمس .. وبعصا خشبية مشوّكة علا صوتي عباب السماء ! لم يعد بكاء فقط بل كان صراخا وعويلا مما جعل ( الجلدات ) تزداد قسوة على جسدي كل مرة ..
( عشر جلدات بالتمام والكمال يا أبوي !!؟؟ )
بعدها حاولت كتم فمي بيدي .. فيما أختي ترتجف كورقة .. وأبناؤه الثلاثة ينظرون لنا بصمت ثم إذا به يصرخ في زوجته بعنفوان , وكأن ما فعله بي قد زاده نشاط على نشاط :
_ هاتي القاز وبقشة الكتب !
فغادرت مسرعة ( زوجة أبي ) وعادت محمّلة بكومة الكتب خاصتنا وعبوة مليئة بسائل بترولي ,
أخذها منها وسكب السائل كله على ( بقشة ) الكتب , وأشعل النار :
_ عندنا ما في شيء اسمه دراسة .. ما في شيء اسمه قلة حيا .. من اليوم و رايح أنتي مسئولة عن الحوش .. وأختك الكبيرة مسئولة عن البيت كله !
وهكذا .. ست سنوات عشتها في بيته .. لا أعرف فيها سوى تنظيف حظيرة الأغنام وحديقة المنزل , وكنس ( الحوش ) من أوله إلى آخره … أما أختي فكانت آلة لغسل الأطباق وتنظيف المطبخ وغرف البيت كلها .
الساعة الثالثة فجرا من كل يوم .. تقوم زوجة أبي بإيقاظنا بنفسها بعدة ( رفسات ) في جوانبنا..
تغريد عصافير ذاك الفجر مازال يسكن رأسي حتى هذه اللحظة !
ولا يسمح لنا بعدها بوضع رؤوسنا في مخادعنا كل ليلة , إلا بعد أن نقوم بتنظيم مخادع أخوتنا وتنظيف البيت وترتيبه والتأكد من أن كل شيء سليم وفي مكانه , وإلا ستحدث كارثة مدمّرة لكلينا .
ساعتين فقط هي نصيبنا من النوم كل يوم !
نقوم فيه بلف الغطاء حول خاصرينا وندعوا عاجزتين بالفرج المعجّل .
من المؤسف أن أقول هنا أن شعورنا بالأمن ناحية أخوتي كان ضعيفا جدا !
فكان أكثر ما يؤرقنا هو الحفاظ على الشرف !
فلن تجدنا نغطي نفسينا كعادة النائمين .. بل نلف الغطاء لف على خاصرينا , وكأنه ( وزّار ) رجالي بالضبط !
أما والدتي فتم حرماننا منها, لم يسمح لنا بزيارتها كل جمعة كما قضت المحكمة لنا , بل اكتفوا بالسماح لنا بزيارتها في كل موسم حج .. إذ أن البيت كان يستقبل عدد كبير من الحجاج اللذين لا يتحدثون العربية .
كنا مجرد جاريتين .. خادمتين بالأصح !
حتى التلفاز تم منعنا منه !
في تلك الفترة من الحياة في المملكة العربية السعودية .. كان المقيم يعيش حياته كمواطن سعودي تماما له حرية ممارسة تجارته وامتلاك العقار .. باستثناء حصوله على الجنسية السعودية طبعا .. أما أبناؤه ( سواء كان بنت أو ولد ) فلهم نصيب إكمال تعليمهم كاملا انتهاء بالحصول على الشهادة الجامعية .. هذا بالنسبة إن كان من غير مواليد السعودية .. أما إن كان من مواليد السعودية فيحق له الحصول على الجنسية يوم بلوغه السن القانونية أي ( 18 ) سنة ! خصوصا إن كانت الأم سعودية !
ذات ليلة فيما كانت شقيقتي تكمل عملها آخر الليل كما هي العادة, أخذتها قدماها جانب غرفة مخدع أبي وزوجته .. كانت واعية بما يكفي لتفهم ماكانا يتحدثان عنه , وبرغم عنها استمعت لزوجة أبي وهي تبادر أبي الحديث :
_ إنت عارف أن ولدك الكبير ماله في الدراسة ! عمره كله في الشغل ومستحيل يحصل على جنسية سعودية لأنك عارف إنه مو من مواليد السعودية !
_ إي نعم !
_ والثاني يموت في الدراسة , كلها كم سنة ويخلص دراسة ويكمل جامعة .. وبعد مو من مواليد السعودية !
_ وخير !؟
_ يعني لو ينط ألف نطة ما راح يكون من حقه أنه يطالب بالجنسية السعودية , بس ولدك الصغير مشكلته محلولة !
_ للحين و مو فاهم شيء !
_ اصبر عليّ .. اللحين البنات أمهم سعودية أباً عن جد .. صح ولا لأ !؟
_ إي نعم !
_ وبكرة كل وحدة فيهم راح تبلغ السن القانونية .. وحسب نظام الأحوال الشخصية لازم يكون لها هوية .. يعني راح يكونون سعوديات غصبا عليّ وعليك وعلى اللي خلفونا .. ولو صارن سعوديات عُقب راح يطالبونا أنا وعيالك بالورث و بيتقوون علينا هم وأمهم , لو بعيد الشر صار لك شيء بكرة !
_ والمطلوب !؟
_ اسمعني زين .. جارك العقيد ( .. ) اللي يشتغل في الأحوال هو يحبك وأنت تحبه .. وأكيد بمعرفته يقدر يلغي شهادات الميلاد حق البنات !
_ تبيني ألغي شهادات الميلاد !؟ .. مصيبة والله !
_ لا مصيبة ولا شيء .. المدرسة وممنوعات منها .. والعالم ما يدري عنهن .. والجيران يحترمونا فوق العادة .. وإنت كلمتك مسموعة .. وأخوك معروف طول عمره يمشي مع ناس آكابر .! و قبل ما يطالبونا بإثبات هوية للثنتين .. تكون أنت مجهز حالك ومزوج البنات من صبيانك الأجانب .. وبكذا تكون كل وحدة تحت كفالة زوجها ويضيع نصيبها في الجنسية السعودية بموجب القانون .. لا شهادة ميلاد موجودة .. ولا سن قانونية ولا خرابيط , ولا من شاف ولا من دري !
_ ……………………………. !! ( مداخلة من رندا المكّاوية _ الله يخرب بيتك على كيد ! )
_ شيء ثاني .. أبيك تستفيد من شهادة ميلاد الكبيرة .. وتطلب من جارك العقيد ( .. ) بمعرفته إنه يثبت إن شهادة ميلاد ولدك مفقودة , وإنه حضر ولادته في السعودية وتعطيهم رقم شهادة ميلاد بنتك الملغية .. كلها كم حرف وتقدر تتصرف !
_ هذا يبيله فلوس !
_ ما عليه .. كم ( .. ) عندك ! واحد بس ! وهو راح يكون سند لي ولك و لأخوانه .. أخوه الصغير حتى لو حصل على الجنسية وأكيد راح يحصل عليها .. ما منه فايدة .. خرّاط !
_ صار !
وهنا أخبرتني شقيقتي عن كل شيء دار بينهما .. فقررت أن أواجههما غدا ..
وليتني لم أفعل !
.
.
.
***
( من الأفضل ان تكون مرهوبا , لا محبوبا !! )
مكيافلي .
***
.
.
.
مكة المكرمة .. بدايات عام 1975 م
( يتبع .. بصوت زوجة القمّاش )
.
.
تلك الفترة كنا نسكن أحد تلك المنازل الضخمة القديمة .. تلك التي إذا فكرت في زرع مسمار في جدارها فسيرتد إليك حسير !
وكان ككل تلك المنازل يحوي قبو ضخم لا يدخله الهواء .. ( لا من حق ولا من باطل ) !
إذ أنه لا يحوي نوافذ خارجية سوى عدد محدود من الفتحات في أعلى حيطانه بطول عشرون سنتميتر وارتفاع عشرة سانتي أخرى .. !
صباح تلك الليلة .. بعد ان قامت زوجة أبي بإيقاظنا كما هي العادة عند الساعة الثالثة فجرا برفساتها المعهودة .
لم نستجب لها ..( على الأقل أنا )
فأمسكت بخصلات شعري وهزتني بعنف كالمجانين , فحاولتُ مصارعتها وصرخت فيها وكأن نشوة عفريت تساعدني فعلي ذلك :
_ مابي !!!! أبي أروح عند أمي نشتكي العسكري عليكووووم !
فسكنت ( زوجة أبي ) لبرهة وشملها الغموض ..
في الوقت الذي تكون فيه مشاهدا لفيلم من أفلام الرعب , ثم تٌمسك بالـ( ريموت كنترول ) وتوقف الشاشة .. فتبقى محدقا في الصورة المتوقفة بوجل !!
أتعرف هذا الشعور !؟
هذا ما شعرت به هنا تماما معها , بينما أختي تردد خلفي مؤيدة لي :
_ إي .. نبي نشتكي العسكري عليكم كلكم !
ووجدتها فرصة لأكمل حديثي :
_ تبون تزوجونا على كيفكم !! .. تبون تاخذون شهاداتنا !! والله لنشتكي العسكري عليكم ! نبي أمنا نبي أمنــااااا !!!
وكمن خُلق بلا روح غادرت مكمنها من أمامنا !
( أخ بس ! )
لو كنا نعلم معنى ( المُكّر ) حينها .. لما تسرعنا في ذكر ما ذكرناه لها ..
عند هذه اللحظة .. قررنا أن نكمل نومنا إذ أننا شعرنا بالنصر على الدنيا كلها ..
وضعنا رأسينا على مخدعينا ونحن نتبادل الضحكات القصيرة بفرح , كأن شيء لم يكن طوال كل تلك السنين ..
واستيقظت على صراخ شقيقتي ..
لا أدري كانت كم الساعة حينها , كل ما اعلمه أن الشمس باتت في كبد السماء , وعيار ضخم جدا من ( البطيخ ) متناثر من حولي بجنون
حاولت أن أستجمع قواي لأفكر لأفهم ما يحدث لرأسي تلك اللحظات .. لم استطع ..
فلم أجد سوى أن أصرخ بدوري !
أعلم أن هناك شيء ما حدث لأختي لكنني لا أفهمه .. فيما أبي يقف على رؤوسنا كالإعصار تماما ..
بعد ذلك .. فهمت أن أبي قد عاد لتوه من الخارج .. يحمل في يده حبة بطيخ كبيرة أختارها خصيصا ليفرح بها زوجته , لكنه عدّل عن رأيه فيما بعد ليلقي بها فوق بطن أختي بكل ما يملك من قوة .
_ تتجسسين على أسيادك يا بنت ( … ) !
فيما أنا ابحث بنظراتي الزائغة عن زوجة أبي .. لكن السطح كان خاليا إلا منا ومنه ..
وبعدها أمسك بتلابيب قميصي وقميص أختي وقام بسحبنا سحب فيما صراخنا مزق أذنينا !
أذنينا .. أنا .. وشقيقتي !
قام بسحبنا بعنف جبار من سطح المنزل إلى باب القبو , فسبحان من أعطاه كل تلك القوة !
مئات من السلالم تكسرت عليها عظامنا التي باتت يومها تئن في صمت .
وعند باب القبو ..
أخرج مجموعة مفاتيح من جيبه .. وحل سلاسل الباب التي كانت تحكم إغلاقه .. ثم عاود وأمسك بنا ودفع بنا دفعا نحو الداخل وسمعت الباب يرتطم من خلفنا كالزلزال .
ومن خلف الباب سمعت صوت السلاسل الحديدية , تلحن لنا لحن رعب فيما الظلام يشملنا في الداخل !
وبكينا .. حتى غشانا النوم .
كانت سياسة القبو سياسة لا كأي سياسة عاصرتها في الدنيا .
بتنا نتناول فيه وجبة واحدة تلقيها لنا زوجة أخي الكبير وتفر هاربة , كمن يفر من العدوى !
ملابسنا تم إرسالها لنا وكنا نقتصد في غسلها .. إذ أن زوجة أبي تعطينا حفنة من المنظف ( الصابون ) في قصعة معدنية صغيرة ( علبة صلصلة طماطم ) بحجم نصف الكف كل أسبوع .. وكانت الكمية غير كافية لغسل ملابس ( الدورة الشهرية ) بحالها , فما بالنا بملابسنا الأخرى !
على العموم كانت أغلبها مرقّعة بسخاء فلم نحزن , إذ أن غسلها كفيلا بتمزيقها وهذا مالا نتمناه بأي حال من الأحوال .
أما دورة المياه فنحمم فيها أجسادنا بالماء فقط !
وفوق هذا كله .. كان أبي يشرفنا بزيارة خفيفة ظل ليقوم بضربنا بغصن شجرة من الحديقة , ممتلئة بالشوك في جوانبها , كي يحسن التأديب !
بدا القبو لكلينا كمعتقل جنود , بقينا فيه لشهر كامل وعدة أيام نتنفس الجوع والأتربة والرائحة العطنة .
وفي ليلة ما من ليالي القبو الكئيبة .. ارتفعت درجة حرارة أختي بشكل مخيف , فأكل قلبي القلق !
وبدا سطح جلدها يتغير رويدا رويدا ..
إذ ظهرت على سطحه بثور حمراء كبيرة .. وانتشرت على وجهها فغير ملامحها .. وصارت تتألم
شعرت بالعجز .. والخوف .. والقهر !
تألمت يداي من الضرب على باب القبو .. وخلعت ( ظفرين ) من أظافر قدمي اليسرى , إذ أنني حاولت أكثر من مرة أن امسك بالباب قبل أن تقفله مرة أخرى زوجة أخي فيما أنا أصرخ كالضائعات :
_ أختي بتموت .. أختي بتموت !!
لكن ما من مجيب … وكان العالم أنطفأ ! إلا مني ومن شقيقتي .. والقبو !
ونتيجة لعدم وجود الهواء والنظافة والدواء .. أصيبت أختي بالعمى أو هذا ما تخيلته لا ادري !!
باتت لا تفتح عينيها كثيرا .. ولا تأكل كثيرا .. ولا تتكلم .. فقط كان يؤنسني أنينها لأبكي !
وهنا صرت أدعو لها فيما دموعي تغسل وجهها , بينما يدي التي مزقت أطرافها مكنسة الخسف الأرضية التي أكنس بها عشرين متر كل صباح .. ممسكة بيدها وكأن الشفاء في باطن يدي .
وبعد أن انتهت المهلة التأديبية في القبو أُفرج عنا , فقاموا بنقلها للمركز الصحي ..
وتوفيت هناك !
إذ أن الوقت قد فات .. و
( وكل شيء مقدر ومكتوب .. وهذا عمرها .. ونصيبها .. ويا الله ارتاحت وريحت ! )
في الحقيقة لم أبكي , كان الصمت يلجمني لجما .. لم أتكلم بعدها وصرت كتوم .. كتوم أكثر من المعتاد .
حتى الأغنام التي كنت أسري بحديثي إليها باتت حزينة .. وكأنها تشاركني لوعتي !
وفي يوم قريب .. كنت أقوم بتنظيف غرفة الجلوس التي يجلس بها أخوتي عادة أمام التلفاز , فلمحت عيني مشهد يرفعون فيه جثة الملك فيصل يرحمه الله على الأكتاف فيما أحدهم يتحدث ويبكي ويجهش بالبكاء ..
هنا طفت الأشجان على روحي كالسراب ..
فبكيت
كأن لم أبكي من قبل بكيت والله ..
بكيت وعلا نحيبي .. فيما أخوت
المزيد