إنّ عُمر الجناح .. قصير .

كتبهارندا اسماعيل ، في 5 سبتمبر 2009 الساعة: 23:45 م

 

 

.
.

كل الأشياء تبدو متشابهة لولا ضريبة الاختلاف التي اكدها البشر !
كل الزوايا ثابتة في اماكنها لولا النظريات الرياضية و فلسفة الكتب اليونانية وثقل الأشياء !
كل الابتسامات كانت موجهة لي وانا لا استحقها في غانا, تلك الابتسامات التي تقول " مرحبا بك " بسعة صدر برغم اللون والصوت والصورة , العشوائية وابواق السيارات القديمة , وعود اليونسيف الكاثولوكية وشح منشئات الصرف الصحي !
ومن أجل ذلك تخليت عن ساعتي لامرأة متشبعة بأرض غانا الأولى بما يكفي , لا شأن لها بفنادق الخمس والسبع نجوم , لا شأن لها بالعاصمة اكرا , ولا تعيش في المدن التي خصخصت الدولة المياه لها دون اراضي المزارعين في الشمال من اجل فنادق الموفنبيك , والهوليدي ان , والحانات الانجليزية !
امرأة لا علاقة لها بمؤسسة "تحدي الالفية" Millennium Challenge Corporation * , ولم تتعدى قط حدود غانا لتعبر ساحل العاج وتنفق ببذخ على ملابسها وحاجياتها اليومية الشخصية , ربما اتت من قرى شمال غانا التي قتلتها الفيضانات , ربما لم تكن ايضا امرأة من غانا على الاطلاق , بل ربما كانت هاربة من دودة غينيا الطفيلية , لقد .. لقد كانت لا تتعامل في بضاعتها بالسيدي* !
قالت لي شكرا باشارة انيقة من يدها .. ابتسمت لي .. ثم مضت وهي تشتَم ساعتي !
اقصد من كانت ساعتي .

وقد اثارني منظرها الهادئ وهي تقوم بذلك بطمأنينة منها ارتسمت على محياها الذي بدا وكأنه يعالج مشاكل الحياة كصديق قديم برغم قسوة شروطها عليه , وغردت من فوقي الكثير من الطيور , طيور غانا ذو حنجرة اصيلة قادرة على محو الواقع والسفر بك نحو الخلود , قلت ببساطة انها امرأة "جناح" لها علاقة ما بهذا الطير حتماً .. هذا الذي يصدح صوته في اذني بكل هذه الشجاعة .
الطيور الطيور ..
تحتوي الارض جثمانها , في السقوط الأخير .
والطيور التي لا تطير .. طوت الريش واستسلمت .
هل تُرى عَِلمت ..
أن عمر الجناح قصير ؟! *
تأملتها حتى غابت عن البصر على طول الساحل الشديد الهدوء تمشي في ثقة نحو مكان لا اعرفه وتعرفه هي بالضرورة , كانت تبيع اكسسوارات مصنوعة من القش تتزين ببعض منها حول معصم يدها النحيل ذو الندبة البيضاء , كانت تحاول أن تخبر المشتري انها بضاعة قابلة للاستهلاك وتستحق المحاولة !
تأملتها حتى غابت تماما عن مرمى بصري وتوقفت نهايات ردائها عن الطيران في نهاية الممر , واختفى لون كل شيء منها وفيها .. و حركة الموج على نهايات الشاطئ تردد في اذني حقيقة وجود الرائحة في الاماكن والاشياء برغم المسافات !!
امسكت بمعصم زوجي , حللت ساعته " القابلة للاستهلاك " .. ضممتها في يدي .. وشممتها اسوة بالمرأة بائعة القش الاكسسواري المزين بالاحجار البلاستيكية الرخيصة .
اغمضت عيني , وهمست " محمد " فابتسم زوجي !
ولكني لم اكن انادي زوجي حينها , بل كان النداء لابني " محمد محمد " .
.
.
بائع عجوز يقف على قدميه وكأنه في العشرين من عمره , ذكرني بـ"عواد شالالي" بطل قصة "دنقلة" Dongola للروائي "ادريس علي" الرجل الذي يحلم بعودة ارض مفقودة , بعودتها تستيقظ كل الاحلام المستحيلة لترتدي ثوب الحياة وتطئ بقدميها معاناة النوبيين .
كان البائع يزين ذقنه الشعر الأبيض القصير , و يبتسم في وجوه الغرباء ويتراقص رأسه مع نغمات صادرة من آلة مسجلة يضعها على رف كشكه الخشبي , وكأن الحياة كانت قد عقدت معه صلح للسعادة الأبدية , كان يسكن اسفل البناية التي اسكن بها انا و زوجي ويفترش بضائعه المتواضعة على ناصية خشبية مغطاة بالألوان , قلت له اني احب الناس هكذا وهم مجردين من الالوان .. وشرحت له فكرتي بالاشارات والرموز والقليل من الكلمات بكل لغة اعرفها , الألوان لا تُظهر الحقيقة .. الألوان بعيدة جدا عن الحقيقة .
واعتقد انه فهمني لانه اشار إلى بقية ثوب افريقي لامرأة زاخم بالالوان معلق من عنقة على بروز خشبي في زاوية قريبة .. وامسكت يده الأخرى بطرف كم ثوبي الملون واطلق بمحياه المبتسم في نشوة كلمة في وجهي لا افهمها !
توقفت عن الكلام واختلطت في راسي الافكار , وكأن هذه الكلمة المجهولة دفعت في شراييني عقار ما , قلت بالعربية مؤكدة له " لكنكم لا تحتاجون إلى الالوان يا سيدي " !
فابتسم وهز رأسه ايجاباً بعينين هادئتين كأنه يفهمني , وعاد ليعرض عليّ سلعته القابلة للاستهلاك والتي تحمل شيء من رائحة يحترمها بشدة , كما احترم "اللماحون" رماة الرمح في جيش " دنقلة" رماحهم في المعارك فاستحقوا النصر .. وامتلكوا السيطرة برغم ضعفهم .. لذلك لم تبكي "حليمة" زوجة "عواد" .
.
.
وقتما كنت في مكة , وانا ابلغ من العمر بضع سنين , كنت اكلم الجبال .
أحب ان أكلم الجبال , كنت احفظ مواقع الجبال بالرمز عندما المحها من نافذة المنزل , أو متى مامضت بي السيارة في أحد شوارع مكة , مكة التي يسكنها شيء ما له علاقة بالسماء برغم الاضواء الكهربائية والارض الاسفلتية والنوافذ المشرعة ابوابها في البيوت القديمة تكشف عن قماش صناعي متدلٍ , أو مروحة ذات اجنحة تدور في ثورة في سقف المكان .
كانت كل الجبال متشابهة في عيني .. إلا أنني استطعت ان افرق بين هذا وذاك بالصور التي ارتسمت على سطحه وجعلتها ذاكرتي وجوها قابلة للتحدث و "الاستهلاك" !
فكان الجبل الواحد يحمل سطحه الكثير من الوجوه , الحكيم والمتمرد والابله , العجوز والشاب والطفل الذي رفع عنه القلم حتى يبلغ " النصاب " .
وكان اكثر مايثيرني هو أن جبلا واحدً قادراً على أن يحمل كل تلك الوجوه , بينما تظل هادئة في اتزان قاعدته , برغم كل ذلك الاختلاف التي تحمله القاعدة .
وفي غانا , دخلت بوابة غابة ودفعت لهم مقدما لأعبر البوابة التي لا مخرج لها ولا يحميها من الداخل حراس , وكان المرشد الافريقي يحدد لنا المسير ببضع أوامر .. وهناك وبعد مسيرة ميل أو أقل توقفت عند شجرة وضعت كف يدي عليها اتكئ , واُدخل هواء جنة غانا في صدري .
وشعرت أن الشجرة تتحدث مع ذاكرتي , أرسلت معي سلاما لأحد جبال مكة .. وللوهلة الأولى ألاحظ أن ذرات ماء تنسال من اوراقها على راسي وتتساقط على الارض الخضراء في كسل .. فقلت يارندا انها تبكي لا محالة !
وانتبهت إلى أن كل اوراق الاشجار التي لا تشبه بعضها البعض بما يكفي من حولي تبكي , والقاعدة التي تحمل تلك الاشجار كانت ثابتة كما قاعدة جبال مكة , ثابتة في قوة , تستقبل الماء وتخضّر !
كنت احتاج غانا , وكان زوجي يحتاج مكة , وفي مكة , لاحت مني نظرة إلى جبل ما , ولوهلة اصطدمت بذاكرتي رائحة اشجار غانا ..
فخفق قلبي , وقدست نبضاته الرائحة والمكان !
.
.
بمدينة ريتشموند بانديانا بالولايات المتحدة قبل ذهابي للندن .. كنت في رحلة اقوم بها من اجل الجامعة التي اتلقى فيها تعليمي على حسابي الخاص , قابلت أخا لي هناك بالصدفة مع زوجته الأمريكية من أصل لبناني .. لم أرى هذا الأخ منذ مايقارب الست سنوات , وكان لقاء مغمورا بالاحاديث الودية والذكريات البسيطة التي مرت سريعاً و لم تعد .. وفي كل مرة كنا نردد في زفرات ونحن نحرك سائل القهوة في اكوابنا الزجاجية :
- آآاه .. دنيا !
- آيه والله .. دنيا !
و كأننا نؤكد في كل مرة , ان ماذهب لن يعود , ولكن الغريب في الأمر هنا الآن , أن المرأة الإفريقية ذكرتني أن رائحة الماضي الثمين ظلت في الذاكرة كما ظلت في الروح .. ظلت كما يجب لا تنفذ .. لم تنفذ .. و لكني لم ألحظ ذلك حينها .
لقد غلبتني المرأة , كانت تستحق الطيران ولم يستحقني أنا .
.
.
الجناح حياة
الجناح ردى
الجناح نجاة
الجناح سدى *

 

______

• مؤسسة امريكية 2004
• عملة غانا
• أمل دنقل
• السابق

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شخصي / المرأة - فكر, كلام حريم / يوميات, من الدفتر / خواطر - أدب | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “إنّ عُمر الجناح .. قصير .”

  1. جبال مكة وأشجار غانا،،
    حبيت دا الجزء يا رندا مرّة….
    :)

    ودي:

    امسكت بمعصم زوجي , حللت ساعته ” القابلة للاستهلاك ” .. ضممتها في يدي .. وشممتها اسوة بالمرأة بائعة القش الاكسسواري المزين بالاحجار البلاستيكية الرخيصة .
    اغمضت عيني , وهمست ” محمد ” فابتسم زوجي !
    ولكني لم اكن انادي زوجي حينها , بل كان النداء لابني ” محمد محمد ” .
    ،
    يا رندا.. اتشبثي بالحلم واسعي.. ربنا كريم يا ستي..
    .

  2. تحية طيبة…
    رمضان كريم وكل عام وانت بخير…
    اكيد في ديربورن لاتحسين بالغربة كما في بقية الولايات خاصة وان الغالبية لبنانيون وعراقيون…
    تحياتي الطيبة…

  3. حلمك سيتحقق باذن الله موقنة بهذا كيقيني بابداعك الأخاذ و تفردك :)

    طريقة سردك حميمية أشعر بالحب الذي بداخلك يحيط تدويناتك كلها

    و تحيطنا أيضاً معها كوني بكل خير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر