الكذب في زمن الرجّال ..
كتبهارندا اسماعيل ، في 10 أبريل 2009 الساعة: 02:15 ص
.
.
.
وكنت , ولا أزال في طور خلخلة الحياة , والتي لا تفتأ " تودي فيّا يمين وشمال" كونها تحب ممارسة " الصح" ودورة الطبيعة التي يؤيدونها في كتب الأحياء وطقوس الجغرافيا و مصطلحات النفاق , والتي كانت قادرة على زعزعة ثقتي بكل الموجودين , ابتداء برحيل عصافير الصباح , رحيل صديقتي , رحيل قطتي , سفر مدنيتي .. وانتهاء بكذب الرجال !!
بيد أن قصة كذب الرجال هنا كانت ولا تزال تمارس فيه خلخلة الحياة هيمنتها , فكان كذب الرجال كمثلي : "تودي فيه الحياة يمين شمال " و كانت تفتأ أحيانا و " تطفش" , وبعض وقت/حسنة .. لا تفتأ و لا "تطفش" !
و بدأت قصتي معها وأنا اقول لوالدي ذات يوم احذره , لا تكذب عليّ يا والدي !!
لأنك مني , وسترحل يوما ما كما يرحل بقية الأحياء , فلن أكون سوية إن مارست أنت الغياب ومارستُ أنا الفقد و بكاء النساء !!
فقال لي مؤكدا أنه لن يرحل .. وكذب علي ّحتى لا أبكي !!
ومن ثم رحل مخلفا وراءه دموع النساء , و قصة " الكذب في زمن الرجال " !!
و كان في حضوره لا يتردد عن إسدال الكذب فوق مسمعي , ابتداء بقصص الخيال الاجتماعية وكيف أن الحياة حلوة , مجرد ثلاث وجبات في اليوم و برنامج كرتوني للاطفال وبرنامج مطبخك للأمهات , وقهقهات الرجال عن يومهم المضني و خفة ظل و فكاهة و جلسة على اريكة خشبية قمة في الاطمئنان والثقة من غد ِ , وأن جارنا الحرامي طيب وابن حلال ولا يمارس الاختلاس ولا يعرف الرشوة ولا الزور ولا الابتزاز لذلك الله " منعم " عليه اكثر من بقية الرجال , وان الصباح كل يوم يتنفس الحقيقة ولا " يتعب " !!
وأن الحقيقة كما هي , مولودة على الفطرة , ترتجف من برودة الحياء !!
ثم مرورا بروايات التأديب وأن المرأة التي لم تستمع لنصائح عائلتها ماتت وحيدة فلم يزرها الخوف ولا البرد ولا الجوع و لا الضياع فكان الموت هو أكثر الاصدقاء حميمية , وأن الشاب الذي تخرّج من الجامعة عاش سعيدا وصارت صورته في مقدمة كل صفحات الجرائد المحلية , و دور النشر الأخرى تتحدث عن نهاية الشاطر حسن في الوطن وكيف أن الدولة أعطته " بئر بترول " لينفق منه على إكمال تعليمه و زوجة المستقبل و نفقة سارية المفعول على نتائج ذاك الزواج , و أن وزارة التعليم " طيبة " لانها تُصدّر طلابنا للخارج لينشرون الفضيلة والخير كل فترة صيف وإجازة وأربعاء وخميس بالمجان !!
.. وانتهاء بهدية عيد الميلاد !
قصة عيد الميلاد هذه كانت تتكرر في أوقات زيارته لي , يقسم أنه جاء من اجلي , ثم يتسلل لرؤية والدتي خلف الكواليس أمامي !!
وكنت لا أفتأ أقول له قبل مغادرته , حذاري ها أنت تكذب عليّ يا أبي مرة أخرى !!
لا تكذب يا والدي ,.. فغدا سيكذبون كل الرجال عليّ , وسأصدقهم لأنهم رجال يمثلون نصفي , يحملون بطاقات هوية , ويمارسون المشي في الشارع , ويحملون أنبوبة الغاز على اكتافهم باتجاه منازلهم , و يتعرقون ببذخ دليلا على هذا الوجود !!
سأصدقهم كما أصدقك الآن لأنك رجل يمارس الأبوة عليّ والقوامة , فلا تكذب يا والدي , ولا تقتل صورة الرجل في صدري !!
ومرت السنون و كبرت ابنتك يا والدي … !
وكنت اتذكر رجائي لك في كل مرة , وأنا أقول لا تكذب عليّ يا والدي , فتكذب علي ّ و يكذبون .. وأتمنى حينها نزع صورتي الانثوية مني وممارسة صورة الرجال فيّ , وأتخيلني أحمل الشوارب فوق شفتي دون نزعها , و يصرخون عليّ رجال العائلة بين حين وأخرى , فأخبرهم انني مصابة بالعته , وانني في طور مراهقة " طيبة" , أكذب .. فيغتالون البسمة مني ويصفقون للكذب و للرجال !!
فأغار من جديد منك ومنهم وأحمل كرها لا بأس به للرجال !!
ويوم غضبت فيه عليّ الحياة , مارست خلسة التدخين يوما كنت ابلغ فيه السادسة عشرة من عمري الربيعي , واتبعت خطى الهيبز في السبعينات برغم اني متأخرة عنهم عشر سنوات , فغيرت تاريخ التقويم وعبثت بارقام الاوراق .. وقلت اني اعيش الآن في السبعينات رغم أنف التقويم و دورة الليل والنهار و موت ألفيس بريسلي !!
وطار الخبر محلقا نحو والدي فقدم إليّ ليعاقبني , خفضت له الجناح وبكيت وقلت له مؤنبة بضعف النساء / .. اخبرتك ألا تكذب عليّ يا والدي !!
فقال وهو يمارس التدخين أمامي , / .. الدخان عيب و حرام !!
فضحكت ولم أبكي .. وغادرني وخلف من وراءه قصة " الكذب في زمن الرجال " !!
وفي كل مرة أمارس العمر فيها , كان الرجل في حياتي يمارس كذبه عليّ فيها , السائق , بائع البقالة , حارس بوابة المدرسة الاعدادية , طبيب العائلة , مدير المنتدى , دكتور الجامعة !!
السائق يقسم انه يحكي قصته لي لأنني قادرة على أن أرفع من قيمة راتبه , و لكنني أحسب انه يفعل ذلك لأنني لا اشبه والدتي في القسوة و أنني انثى " طيبة " .. فأقول لنفسي باسمة , , إنه يمدحني بطريقة غير مباشرة !!
بائع البقالة في طفولتي يسألني عن كيف انني لم أزره هو و بقية المأكولات ذات الريال والريالين , ولكنني كنت أحسب أنه يفعل ذلك استفسارا عن غيابي أمس وأن المشتريات الجديدة اشتاقت لي كلها عن بكرة أبيها .. تحملها جدران البقالة !!
حارس بوابة المدرسة الاعدادية , يخبرني أن الانصراف الساعة الفلانية مقدما الوقت كثيرا , قلت يكذب لأنه خائف عليّ أن تتأخر سيارتي عن موعدها وتأكلني شمس الظهيرة في " الحوش" المدرسي , وتغتاظ مني المديرة الخمسينية !!
طبيب العائلة , يقول لي انه يجب ان اكون اكثر تفائلا ويملي علي ّ شروط طبية , متعللا بعنجهية الطبيب و سيادته فوق كل الأمراض , لكنني اقول بيني وبيني أنه يحبني كأبنته ويخاف عليّ أن أموت وأن تأكل مفاصلي مصائب العصر وويلاته !!
ومدير المنتدى , يزور متصفحي ويقول لي " كلام جميل " , ويغادر مولياً بصمت , ففطنت إلى انه لم يسترسل في بقية أخطاء المقال لأنه يقدّر عمل النساء و وجودهن !!
ودكتور الجامعة يخبرني أن البحث الفلاني غير مكتمل و لكنه لا يقل جمالا عني , ففطنت إلى أنه يتغزل في البحث كوني قبيحة الروح والصورة و لست على مزاجه , وأن البحث يستاهل " المليون " و أنني امرأة " شاطرة " !!
ومرت الأوقات الأخرى بسرعة ,,, تحمل لي في طياتها كل الأجوبة بلا خجل ..
واكتشفت ان بائع البقالة يحب صندوق كاشيره أكثر من الحياة !!
وأن السائق , يحب عائلته أكثر من حبه العمل كسائق عائلة لا يتواجد فيها دائما الرجال !!
وأن حارس البوابة , متلهف على الوصول لبيته وتناول الغداء مع زوجته وابنائه اكثر من مهمة الفضيلة و الكرم الرجولي !!
وان طبيب العائلة , " طفش " مني و يفكر في ممارسة علاج أمراض اخرى غير تفاهتي و غير نظرتي السوداء للحياة !!
وأن مدير المنتدى , يبحث عن نجاح المنتدى بغض النظر عن وجودي فيه !!
و أن دكتور الجامعة لم يكن إلا يفكر في الزواج بي ليسلبني حريتي , ويعلمني كيف أمارس وجودي المطبخي وإدارة المنزل و نفض الأتربة من على الأرفف و " التكايات" و كتب الموسوعات !!
وهدّأت نفسي حتى لا أئنبها , وتذكرت آية تقول / .. {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} !
و بهكذا و مرورا بالرجال كلهم الذين لا أراهم ولا أعرفهم , على صفحات الجريدة , وخلف روشتة دواء صيدلي , المذيع على التلفاز , كاتب القصة , المخرج السينمائي , الدكتور النفساني في إعلان محلي , شيخي الجليل !!
جميعهم جعلوني احسدهم على قدرتهم وقوة تحملهم اعباء هذا الكذب الفطري , في فعل ذلك بينما الكارثة أن ضميرهم الشخصي كان يظل "صاحي" على طول الخط !!
بعكس النساء , لأنه عندما تكذب المرأة , تكذب بدون أن يكون ضميرها "صاحي" في العادة , فهي قبل أن تكذب متعمدة تفكر جيدا في أنه لا شأن لها ببقية خزعبلات تبعات هذا الكذب وحسناته !!
وكان هذا الفرق يميتني !!
واكتشفت أن الرجل كان يكذب , من أجل أن لا تبكي النساء , ومن أجل أن لا يفقد هو رجولته في وجود النساء !!
فلم أعد ادري , إذا لم تبكي النساء , فكيف سيمارس الرجل وجوده الرجولي في حياة النساء , و كيف ستبقى النساء و لن يموت الرجل في وجودهن النسوي !!
وصرت اتساءل .. وطال تساؤلي حتى كرهتني الأرض , و قاموس المصطلحات الأنثوية والرجالية على التوالي !
وطافت برأسي آية قرآنية أخرى تقول " يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " !!
فقلت ان الرجال طيبيون مافي ذلك شك لكي يكذبون رغما , وأن العيب في دموع النساء مافي ذلك شك لكي يبكين رغما !!
لكنه وعلى غير انتظار , زارني هذا الصباح أبي في قعر بيتي , جاء ليحكي لي قصة " الأميرة والوحش" ومن ثم يحمل نفسه و يرحل !!
فأسررت في نفسي لوعة , و خيفة .. وقلت هامسة لا زال يكذب عليّ أبي بعد مرور كل هذه السنين , وبرغم الشيب في رأسي !!
و تلكأ في رأسي سؤال / ..
.. كم وحشاً سأقابل غدا يا أبي ؟!!!
لم يجبني السؤال , وتذكرت سوزان سونتاج وهي تقول متساءلة من الذي يؤمن اليوم بأنه من الممكن القضاء على الحرب ؟! لا أحد !!
ففطنت إلى أنني سأدخل السجن و سأبقى فيه إلى الأبد لا محالة !!
وأن سجانّي سيكونون في صورة ثالث ثلاثة ..
الصدق ..
الكذب ..
و الرجال .. !!
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شخصي / المرأة - فكر, كلام حريم / يوميات | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 11th, 2009 at 11 أبريل 2009 6:33 م
ممتعه والله ..
أبريل 11th, 2009 at 11 أبريل 2009 9:19 م
وددت لو أني أكتب تعليقي باسم نسائي … حتى لا تعتقدي بأنه كذبة
ولكن سرعان ما اكتشفت … بأنها كذبة أيضا
سأطبق على الصمت … رغم كتابتك التي أسالت الدماء حتى الركب
لكن هذه المره … سال من الأعين
تحيتي لك
أبريل 12th, 2009 at 12 أبريل 2009 8:56 م
الكذب يمنحنا القدرة على التعايش و على أن نطيق سماع بعضنا البعض و الرجل يفوق المرأة في ذلك لأنه أحرص منها على استمرار تدفق النهر و استمرار حياة الكائنات فيه بينما المرأة لها القدرة على أن تبيع النهر بأسره لمجرد رغبتها في شراء فردة سندريلا التي ضاعت أختها ذات دلع غير مسئول .
ليس ذنب الرجل أنه يمسك بمفاصل هذا العالم لكي لا يقع على رؤوس النساء و ليس ذنبه أنه يفهم فعلا أن المرأة لا تحب الصدق إلا فيما تحب أن يصدقها الناس فيه بينما ترى الكذب الذي تحبه في الأشياء الأخرى واجبا سلوكيا أيضا !!.
رويدك !
أبريل 12th, 2009 at 12 أبريل 2009 8:58 م
تريدين الصدق ؟
هل أنت امرأة سوداء ؟؟
لا تكذبي !!
أبريل 15th, 2009 at 15 أبريل 2009 10:53 ص
: )
.
.
مرحبا بكم عهود و صارخ بصمت وكلاسيكي ..
سأعود إليكم في وقت لاحق ان شاء الله !
اختكم .
أبريل 15th, 2009 at 15 أبريل 2009 11:07 ص
فكرت في امور كثيرة , قبل ان اقوم باغلاق خاصية استقبال ردود من بني آدميين هم خارج نطاق التدوين ..
ولكن امثال صاحب الرد “كلاسيكي” .. اصابوني بالتشويش !!
سأجيبك على سؤالك التافه أخ صريح .. على أمل أن لا تكون مريض صدره لي الساخر .. او اي مكان آخر لم يتناول افطاره كما يجب !
لست امراة سوداء .. ولا بيضاء .. ولا شقراء .. و لا حمراء !!
بل انا امرأة خضراء يا صريح .. لم تلد النساء مثلي في الالفية الماضية . ولم يعرف الرجال مثلي في الالفية الحالية . فلاقبلي ولا بعدي ولا الآن !
اسأل الله ان يرزقك اخضرارا كافياً في نسائك لتكف عن مضايقة النساء ” امثالي ” !
ولتعلم .. وليعلم سواك ممن لاهم لهم سوى النساء . ان وجودك على ارض كهذه مرض لا يرجى شفاءه !
ولكني مؤمنة أن العلم مهما اختلف فيه علماؤه .. قادر على تهذيب امثالك حتى تخضّر عينيه !
أهلا بي على أية حال .
***
راشد / ..
اش كان الاتفاق ؟!
هممم ؟!